جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٧٤ - ما يستحب في الأذان و الإقامة
................
-
٢- و الصادق (عليه السلام) في موثّق سماعة: «إذا أقام المؤذّن الصلاة فقد حرم الكلام إلّا أن يكون القوم ليس يعرف لهم إمام» ( [١]).
٣- و سأله (عليه السلام) أيضاً ابن أبي عمير عن الرجل يتكلّم في الإقامة؟ قال: «نعم، فإذا قال المؤذّن: قد قامت الصلاة فقد حرم الكلام على أهل المسجد، إلّا أن يكونوا قد اجتمعوا من شتّى و ليس لهم إمام فلا بأس أن يقول بعضهم لبعض: تقدّم يا فلان» ( [٢])؛ لصراحة بعض نصوص الجواز، كما عرفت فيما بعد قيام الصلاة. اللّهمّ إلّا أن يحمل الكلام فيها على الكلام المزبور في هذه النصوص أو غيره ممّا يتعدّى منه إليه، بدعوى أنّه مثال لمطلق المتعلّق بالصلاة كتسوية الصفوف و نحوها، قال في المحكيّ عن المنتهى:
«لا خلاف في تسويغ الكلام بعد «قد قامت» إذا كان ممّا يتعلّق بالصلاة، كتقديم إمام و تسوية صفّ» ( [٣]). و كيف كان، فيكون المراد من سؤال نصوص الجواز إباحة طبيعة الكلام في الجملة. لكنّه كما ترى، خصوصاً و المقنعة و جمل السيّد و النهاية و التهذيب ( [٤])- التي هي الأصل في الخلاف- قد أطلقوا عدم جواز الكلام في خلال الإقامة، فلم يعملوا بالنصوص المزبورة على الوجه المذكور.
نعم، عن المبسوط و النهاية و الوسيلة التنصيص على تحريمه ( [٥]) بعد قوله: «قد قامت الصلاة» بغير ما يتعلّق بالصلاة من تقديم إمام أو تسوية الصفّ، مع أنّا لم نتحقّقه عن غير الأخير. فيضعّف حينئذٍ من هذه الجهة احتمال تحكيمها على غيرها المعتضد بالشهرة و بالأصل و غيره، خصوصاً مع عطف المعلوم كراهته في خبر أبي هارون عليه، و أنّه إذا اعطيت حكم الصلاة- كما هو مضمون خبر أبي هارون و غيره- ينبغي عدم الكلام فيها مطلقاً.
٩/ ١٠٠/ ١٦٢
بل لا يخفى على من له أدنى معرفة بلسان النصوص إرادة الكراهة من ذلك و شدّتها بعد قيام الصلاة، لا الحرمة حقيقةً التي هي وظيفة تكبيرة الإحرام، و إلّا فمن المعلوم أنّ له الإعراض عن الصلاة بعد الإقامة و حينئذٍ لا يحرم الكلام عليه قطعاً.
فلا بدّ من حمله على ما إذا بقي عازماً على الصلاة متهيّئاً لها بالإقامة المذكورة، فلو فرض أنّه فصل بينها و بين الصلاة بما لا يخلّ في الاتصال المعتبر يجب عليه السكوت، أو الاشتغال بغير الكلام من ذكر و نحوه، و هو أمر غريب يمكن دعوى معلوميّة خلافه من الشريعة، كمعلوميّة أنّ له رفع اليد عن الإقامة و الصلاة بدونها.
فأقصى ما في الكلام حينئذٍ ذلك لا الحرمة التعبّدية. و من ذلك ظهر لك أنّه لا ريب في قوّة ما ذكرناه من الجمع- خصوصاً مع ملاحظة ما سمعته و الشهرة و الأصل و الإطلاقات و غيرها- و ضعف الجمع المزبور.
و أضعف منه احتمال حمل نصوص الجواز على إرادة ذلك، لكن مع بطلان الإقامة؛ بشهادة قول الصادق (عليه السلام) في صحيح محمّد بن مسلم: «لا تتكلّم إذا أقمت الصلاة، فإنّك إذا تكلّمت أعدت الإقامة» ( [٦]).
ضرورة قصوره عن صرف ظاهر النصوص المزبورة من جواز الكلام و عدم بطلان الإقامة به؛ إذ هو المسئول عنه، فالأولى حينئذٍ حمل الخبر المزبور على استحباب الإعادة الذي صرّح به غير واحد من الأصحاب.
[١] الوسائل ٥: ٣٩٤، ب ١٠ من الأذان و الإقامة، ح ٥.
[٢] المصدر السابق: ٣٩٥، ح ٧.
[٣] المنتهى ٤: ٣٩٤.
[٤] المقنعة: ٩٨. جمل العلم و العمل (رسائل المرتضى) ٣: ٣٠. النهاية: ٦٦. التهذيب ٢: ٥٤، ذيل الحديث ١٨١.
[٥] المبسوط ١: ٩٩. النهاية: ٦٦- ٦٧. الوسيلة: ٩٢.
[٦] الوسائل ٥: ٣٩٤، ب ١٠ من الأذان و الإقامة، ح ٣.