جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٧ - سقوط أذان العصر بعرفات
[و المدار على العرف في صدق تفرّق الجماعة و عدمه، فيحصل بانصراف الأكثر مثلًا، بل بمجرّد سيلان الجماعة في الأزقّة من غير ملاحظة الأقل و الأكثر] [١].
-
(١) إنّما البحث في أنّ المدار على تفرّق الجميع بحيث يبقى السقوط مع بقاء الواحد، أو على بقاء الجميع بحيث إذا مضى واحد يسقط السقوط، أو على الأكثر تفرّقاً و بقاءً بمعنى تحقّق السقوط مع بقائهم، و عدمه مع تفرّقهم، أو على العرف في صدق التفرّق و عدمه من غير ملاحظة شيء من ذلك؟ أقوال. صرّح جماعة بالأوّل، بل ربما استظهر أيضاً ممّن عبّر بلفظ «تفرّقوا» و نحوه؛ لترك الاستفصال في خبر أبي عليّ، و قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير: «فإن وجدهم قد تفرّقوا أعاد الأذان ... إلى آخره» ( [١])، كقوله (عليه السلام) في خبره الآخر: «و إن كان تفرّق الصفّ أذّن و أقام». إذ المراد بالصفّ المصطفّين كناية عن الجماعة، فاعتبار تفرّقهم يقضي بالاستغراق كضمير الجمع، بمعنى أنّه لا بدّ من افتراق كلّ واحد عن الآخر، و مع بقاء الواحد مثلًا معقّباً لا يتحقّق ذلك. لكن فيه: أنّه خلاف المنساق عرفاً من صدق التفرّق؛ ضرورة تحقّقه بانصراف الأكثر مثلًا، بل بمجرّد سيلان الجماعة في الأزقّة من غير ملاحظة الأقلّ و الأكثر، كما يومئ إليه المحكيّ من كتاب زيد. و ترك الاستفصال في خبر أبي عليّ لعلّه لحمل الإمام فعله على الصحّة؛ لأنّ منعه و دفعه للمؤذّن عن الأذان يقضي بكون البعض الخارج لا يتحقّق معه صدق التفرّق. على أنّ خبر أبي عليّ ضعيف، لا يصلح لتخصيص العمومات و تقييد المطلقات من دون جابر، و لا شهرة محقّقة على الاكتفاء في السقوط ببقاء الواحد تجبره. مضافاً إلى ما في ذيله من النهي عن أن يبدر بهم إمام، ممّا لا عامل به فيما أجد إلّا الصدوق و الشيخ في موضع من الفقيه و المبسوط و بعض نسخ السرائر، إن كان المراد منه الكناية عن عقد جماعة ثانية لتلك الصلاة في ذلك المسجد. و حمله على إرادة عدم ظهور إمام لهم مراعاةً لراتب المسجد أولى قطعاً، بل ينبغي القطع بفساد الأوّل إذا كان المراد ما يشمل حال تفرّق الجماعة بحيث لم يبقَ إمامها و لا مأمومها كما يقتضيه ظاهر المحكي عنهم، فتأمّل. و تعليق الأذان و الإقامة على تفرّق الصفّ- المدّعى عدم تحقّقه مع بقاء الواحد- معارض بتعليق السقوط قبل ذلك على عدم تفرّق الصفّ الذي لا يتحقّق إلّا مع بقاء جميع المصلّين فيه كما اعترف به في المدارك ( [٢]). و لعلّه- مضافاً إلى العمومات- دليل القول الثاني. لكنّه- مع ندرة القائل به صريحاً، و معارضة ذلك [/ التعليق] بالتعليق الثاني في الخبر المزبور، المعتضد بما في خبر أبي بصير الآخر، و خبر أبي عليّ، و المحكي عن كتاب زيد، و ما سمعته من دعوى عدم صدق التفرّق عرفاً بخروج البعض النادر بالنسبة إلى الباقي في الجماعة الكثيرة- يشارك السابق في الضعف.
و أمّا [القول] الثالث فكأنّ مرجعه إلى [القول] الرابع و إن وقع التحديد فيه بالأكثر، إلّا أنّ نظره بحسب الظاهر إلى الصدق العرفي المختلف بكثرة الجماعة و قلّتها و نحوهما. نعم، لا ريب في انسياق الخروج من المسجد من التفرّق في النصوص، بل هو صريح المحكي عن كتاب زيد، و لذا عبّر به بعضهم ( [٣]). لكن لا يبعد إرادة الإعراض عن الصلاة و تعقيبها من ذلك، و خصّ بالذكر جرياً على الغالب، كما صرّح به الشهيد في المحكي عن النفليّة ( [٣])، و ربّما كان ظاهر المحكي عن موضع من المهذّب حيث عبّر بانصرافهم عن الصلاة ( [٥])، بل لعلّه المراد من باقي العبارات و إن كان بعيداً. و قد وقع في كشف اللثام ( [٥]) هنا ما هو محتاج للنظر و التأمّل، خصوصاً ما فيه من الفرق بين التعبير ب«تفرّقوا» و «تفرّق الصفّ»، مع أنّ مرجع الثاني إلى الأوّل كما عرفت؛ إذ المراد من الصفّ المصطفّ، و اللّٰه أعلم.
[١] ليس للخبر تتمّة.
[٢] المدارك ٣: ٢٦٧.
[٣] نهاية الإحكام ١: ٤١٩. الألفيّة و النفلية: ١٠٨.
[٥] المهذّب ١: ٩١. كشف اللثام ٣: ٣٦١.