جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٧٨ - حكم القِران بين السورتين في الصلاة
................
-
من جابر، و لذا ضعفت التقيّة في زمانه، مع أنّ بني اميّة و بني العبّاس كان بعضهم مشغولًا ببعض.
و يومئ إلى ذلك كلّه قول الصادق (عليه السلام): «كان أصحاب أبي يأتونه و يفتيهم بمرّ الحقّ، و يأتوني شكّاكاً فافتيهم بالتقيّة» ( [١]).
على أنّ نصوص المقام قد تضمّنت الكراهة و التفصيل بين النافلة و الفريضة و نحو ذلك ممّا لا ينقل عن الشافعي، بل كان يمكن الإمام (عليه السلام) ذكر الحقّ و التخلّص عن فتوى الشافعي بفعل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الخلفاء و التابعين و تابعي التابعين.
و بالجملة: من نظر بعين الإنصاف إلى تلك النصوص- المعمول بها بين كثير من المتأخّرين، و أنّه لا معارض لها إلّا مجرّد نهي فيها يستعمل غالباً في الكراهة، و بعض الإشعارات التي لا ينبغي الالتفات إليها- يجزم بعدم صدورها مصدر التقيّة.
و كيف يحلّ لامرئ مسلم رفع اليد عنها و طرحها مع اعتبار أسانيدها و لو بالعمل بها بين المتأخرين بمجرّد موافقتها للمحكي عن الشافعي؟! و ليس ذلك في الحقيقة إلّا ردّاً للخبر بلا معارض؛ لأنّه موافق للعامّة، و التسرّي في ذلك يؤدّي إلى هدم قواعد المذهب، نسأل اللّٰه تشييدها و تسديدها، و إنّما ذكرنا هنا بعض الكلام و إلّا فتمام البحث فيه و في أمثاله محتاج إلى رسالة، نسأل اللّٰه توفيقنا لها.
و أمّا ترجيح تلك النواهي على النصوص المزبورة بشهرة القدماء و إجماعي الصدوق و المرتضى ( [٢]).
ففيه أوّلًا: أنّ المحكي عن ابن إدريس أنّه قال: لم يتعرّض أصحابنا لذكره، و لم يعدّوه من المبطلات للصلاة ( [٣])، فإن كان الأمر كما ذكر دلّ على المختار.
و ثانياً: أنّ الموجود في عبارات القدماء لفظ النهي- كالنصوص- و عدم الجواز و نحوه ممّا لا صراحة فيه بل و لا ظهور في البطلان، خصوصاً و قد صرّح الشيخ في المبسوط بعدم البطلان معه ( [٤])، بل يمكن إرادة الكراهة منه كالنصوص لغلبة تعبيرهم بنفس متن الخبر. على أنّ القدماء وقع ما وقع منهم في كثير من المقامات من المذاهب الفاسدة؛ لعدم اجتماع تمام الاصول عند كلّ واحد منهم، و عدم تأليف ما يتعلّق بكلّ باب منها على حدة، فربّما خفي على كلّ واحد منهم كثير من النصوص، فيفتي بما عنده من غير علم بالباقي، كما لا يخفى على الخبير الممارس المتصفّح لما تضمّن تلك الآثار. على أنّه يمكن إرادة الصدوق و المرتضى من النسبة إلى دين الإماميّة و منفرداتهم أنّ في الإماميّة من صرّح بالمنع بخلاف العامّة، فإنّ الشافعي الذي قد تعرّض له ذكر الجواز، و ليس المراد إجماع الإماميّة عليه.
و ربّما يشهد لذلك- خصوصاً بالنسبة إلى الأوّل منهم- وقوع هذه اللفظة المزبورة فيما لا يقول به من الإماميّة إلّا قليل.
و لقد طال بنا الكلام حتى خرجنا عمّا يقتضيه المقام و إن كنّا لم نستوف أيضاً تمام النقض و الإبرام، إلّا أنّه قصدنا بذلك تهييج الذهن إلى بعض هذه الامور لينتقل منها إلى غيرها، فإنّ الأشياء تحضر بنظائرها.
و لو أنصف المتأمّل فيما ذكرنا لاهتدى به إلى امور كثيرة و قواعد خطيرة لا تخصّ المقام، و اللّٰه أعلم بحقائق الأحكام.
[١] الوسائل ٤: ٢٦٤، ب ٥٠ من المواقيت، ح ٢، مع اختلاف.
[٢] تقدّم في ص ٢٧٠.
[٣] السرائر ١: ٢٢٠.
[٤] المبسوط ١: ١٠٧.