جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٢٧ - الأوّل النيّة
................
-
بها و يكبّر مع إرادة التقرّب منه صحّت منه النيّة، و لكنّه يكفي إرادة التقرّب منه عن استحضاره أوّلًا و عن جعله مشخّصاً رابعاً، و لا يكفي تشخيصه عن جعله غاية» ( [١]).
قلت: فإذن الأولى الاقتصار على ذكره غايةً مقترناً بلام التعليل كما سمعته من النظم أوّلًا لا مشخّصاً مع ذلك؛ إذ هو حينئذٍ كالعبث.
ثمّ قال: «فإن قلت: بيّن لي انطباق هذه العبارة على النيّة المعهودة، و هي «اصلّي فرض الظهر ... إلى آخره»، فإنّ مفهوم هذه العبارة يقتضي أنّ قوله: «اصلّي» بعد ذلك الإحضار، فيلزم تكرار النيّة أو نيّة النيّة، و هما محالان.
قلت: إذا عبّر المكلّف بهذه الألفاظ فقوله: «فرض الظهر» إشارة إلى القرب ( [٢]) و التعيين، «و أداءً» إلى الأداء، و «لوجوبه» إلى ما يقوله المتكلّمون من أنّه ينبغي فعل الواجب لوجوبه أو وجه وجوبه، و قوله: «قربةً إلى اللّٰه» هي غاية الفعل المتعبَّد به، و في هذا إحضار الذات و الصفات كما ذكر، فقوله: «اصلّي» هو عبارة عن القصد المتعلّق بها، و هو و إن كان متقدّماً لفظاً فإنّه متأخّر معنىً، و في قولنا: «للتقرّب إلى اللّٰه» إشارة إلى فائدة، هي أنّ الغاية ليست متعدّدة، بل هي متّحدة، أعني التقرّب إلى اللّٰه الذي هو غاية كلّ عبادة و على ترتيب النيّة المعهودة بتلك الألفاظ المخصوصة و انتصابها على المفعول له أو الإتيان فيها بلام التعليل، يشكل إعرابه من حيث عدم جواز تعدّد المفعول لأجله إذا كان المغيّا واحداً إلّا بالواو.
و اعتذر عنه بعض النحاة من الأصحاب بأنّ الوجوب مثلًا في هذه النيّة غاية لما قبله، و التقرّب غاية للوجوب، فيتعدّد الغاية بسبب تعدّد المغيّا، فاستغنى عن الواو، و إذا صوّرت النيّة على الوجه الذي ذكرناه لم يكن إلّا غاية واحدة، و يزول ذلك الإيراد من أصله، مع أنّه ليس له تعلّق بالنيّة الشرعيّة، بل متعلّق بالألفاظ التي لا مدخل لها في المقصود، فإن اريد التعيين ( [٣]) بنيّة تطابق ما ذكرناه ملفوظة فليقل: اصلّي فرض الظهر الواجب المؤدّى أو المقضيّ قربة إلى اللّٰه، و هذه العبارة كافية في هذا المقام و نحوها من العبارات، و الغرض بها إيصال المعاني إلى فهم المكلّفين كما قيل لا التلفّظ بها» ( [٤]).
و نقلناه بطوله لما فيه من كمال الإفصاح بما عند المشهور من النيّة.
و قد أنكر عليهم متأخّرو المتأخّرين ذلك، بل عدّوه من جملة الخرافات، قائلين: إنّ النيّة هي الداعي، لا هذا الإخطار الذي هو حديث فكري و مثارة للوسواس في قلوب أكثر الناس، خصوصاً بعد ما تسمعه من الأقوال في اعتبار مقارنة النية للتكبير بخلافه على القول بالداعي ( [٥])، و لذا قال راجزهم:
٩/ ١٧٠/ ٢٧٧
و يلزم اقترانها بالداعي * * * و الخطب سهل فيه ذو اتّساع
و لا كذاك الأمر في الإخطار * * * فهو مع الضيق على أخطار ( [٦])
لكن ربّما كان نوع غموض في المراد من الداعي في كلامهم، و ربّما انساق إلى الذهن منه العلّة الغائية، و كون النية عبارة عنها كما ترى.
[١] الذكرى ٣: ٢٤٥- ٢٤٦.
[٢] في المصدر: «الفرض».
[٣] في المصدر: «التعبير».
[٤] الذكرى ٣: ٢٤٦- ٢٤٧.
[٥] الحدائق ٨: ١٥ و ما بعدها.
[٦] الدرّة النجفيّة: ١١٧.