بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧٢ - استدلال بالكتاب على البراءة الشرعية
اعتدنا في الأصول أن نعبّر عن الحكم بالتكليف، و من هنا قيل: بأنّه إذا كان اسم الموصول (ما) يشمل التكليف المشكوك، يعني: يشمل الحكم المشكوك، فإذا حملنا التكليف على الحكم فلا يلزم اتحاد المفعول مع مبدأ الاشتقاق، لأنّ التكليف مغاير مفهوماً للحكم و إن كان التكليف من العناوين الثانوية المنطبقة على الحكم، لأنّ الحكم هو الجعل و الإنشاء، و هذا ينطبق عليه عنوان الكلفة، و تعبيرنا بأحدهما عن الآخر لا يغيّر حقيقتهما أنّهما متغايران مفهوماً، و حينئذٍ يكون معنى الآية الكريمة: (لا أكلفك إلّا بالحكم الذي أوصله إليك)، و المفعول هنا الذي هو الحكم مغاير مع مبدأ اشتقاق المفعول به في الآية، و بذلك ترتفع الشبهة، و يتم الاستدلال بالآية الكريمة على المطلوب.
غاية الأمر، يكون الاستدلال بها بالإطلاق، لأنّ الآية لم ترد في خصوص التكليف، بل قال تعالى: (ما آتاها)، سواء كان مالًا أو فعلًا أو تكليفاً.
و إن شئت قلت: إنّ هذه المشكلة نشأت من لغة علم الأصول، حيث اعتاد الأصوليون أن يعبّروا عن الحكم بالتكليف، و حيث ورد في الآية قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ*)، فتوهم أنّه لا يمكن أن يشمله إلّا إذا كان مفعولًا مطلقاً، و حينئذٍ تتغاير مادة الكلفة في الآية مع الحكم و الجعل مفهوماً، فيصح وقوعه مفعولًا به لفعل (لا يكلّف) على حد وقوع (المال و الفعل).
ثمّ إنّه قد وقع الكلام في مفاد هذه الآية، في هل أنّه سنخ مفاد ينفي وجوب الاحتياط، أو أنّه سنخ مفاد لو تم وجوب الاحتياط، لكان حاكماً عليه و رافعاً لموضوعه؟