بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٤١١ - المقام الأول هو في أنّ الذي يجري في الشبهة الموضوعيّة، هل هو كلتا البراءتين الشرعيّة، و العقليّة،
المقام الثاني: هو في بيان ضابط الشبهات الموضوعيّة التي تجري فيها البراءة، سواء كان الشك في التكليف أو المكلف به.
أمّا الكلام في المقام الأول: فلا إشكال في جريان البراءة الشرعيّة في الشبهات الموضوعيّة، ذلك لشمول بعض أدلّة البراءة الشرعيّة للشبهات الموضوعيّة، من قبيل: (حديث الرفع)، حيث عرفت سابقاً أنّ المأخوذ فيه سنخ جامع ينطبق على كل شيء من الشبهات، حكميّة كانت أو موضوعيّة، من قبيل قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها)، و إن كان قد ادّعي اختصاص بعض أدلتها بالشبهة الحكميّة من قبيل قوله تعالى: (وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً)... كما ادّعي اختصاص بعضها الآخر بالشبهة الموضوعيّة من قبيل قوله (عليه السّلام): (كل شيء فيه حلال و حرام، فهو لك حلال، حتّ تعرف الحرام بعينه).
و قد نوقش في الاستدلال بهذه الرواية على البراءة بدعوى أنّ مفاد هذه الرواية مختص بموارد العلم الإجمالي لورودها في مورده، بقرينة قوله (عليه السّلام): (فيه حلال و حرام)، و قوله (عليه السّلام): (حتّى تعرف الحرام بعينه)، فإنّها و إن كانت حينئذ تدلّ بالأولويّة على البراءة في مورد الشك البدوي و الشبهات البدوية، حيث لا نحتمل مدخلية لوجود العلم الإجمالي في تحقق البراءة، إذاً، فتدلّ الرواية بالأولويّة على البراءة في الشبهات البدويّة.
إلّا أنّه لأنّ المشهور يبنون على عدم جريان البراءة في موارد العلم الإجمالي و الشك في المكلف به، إذاً، فتسقط الدلالة المطابقيّة لهذه الرواية عن الحجيّة، و معه: تسقط دلالتها الالتزاميّة عن الحجيّة أيضاً تبعاً لسقوط مدلولها المطابقي، للتبعيّة بين الدلالتين.