بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٣ - الفرق بين الأمارات و الأصول في كلمات القوم
كاشفة كانت أمارة، و إن جعل الجري العملي على طبقها كان أصلًا غير تنزيلي، و إن نزّل مورد الأصل منزلة اليقين بلحاظ الجري العملي كان أصلًا تنزيلياً.
و مما ذكرناه في المقدمة الثانية في بيان الفرق بين الأمارات و الأصول، اتضح أنّ لسان الإنشاء، و لسان الجعل لا يغيّران من واقع المطلب شيئاً، فمثلًا: خبر الثقة معتبر على وجه الأمارية، سواء كان لسان جعله لسان تعبد بكونه علماً و طريقاً، أو كان لسانه التعبد بإيجاب الجري على وفقه، فهذه ألسنة في مقام الجعل و الإنشاء تعبّر عن حقيقة واحدة، و قد يكون بعضها أنسب و أقرب و ألطف، إلّا أنّ ذلك لا يغيّر من الحقيقة شيئاً، بل في الحقيقة إنّ المولى، إمّا أنّه قد عالج التزاحم بلحاظ تقديم الأهم احتمالًا فيكون ذلك أمارة، و إمّا بلحاظ تقديم الأهم محتملًا فيكون ذاك أصلًا كما عرفت بأيّ لسان كان، فمثلًا: لو جاء التعبير في الأصل بلسان جعل الطريقية، كما في الاستصحاب على ما ذهب بعض طلاب مدرسة الميرزا (قده)، فإنّ ذلك لا يعني أنّ الاستصحاب سوف يتحول جوهره من كونه أصلًا إلى كونه أمارة.
إذاً، فهذا الوجه المشهور غير صحيح في بيان الفرق بين الأصل و الأمارة.
و ذلك لأنّنا حينما نريد أن نضع مقياساً للفرق ما بينهما، فإنّنا بحسب الحقيقة نعالج هذا الفرق المركوز في الذهن من جهة آثاره و خواصه، و إلّا فعنوان الأمارة، و عنوان الأصل لم يرد في دليل حتى نتكلّم عن مفهوم كل منهما، و لكن قد بينّا أن واقع الخطابات الظاهرية ينحل إلى نحوين بحسب الحقيقة و الواقع بقطع النظر عن الأسماء،