بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥٢ - التنبيه الأول تنقيح جريان استصحاب عدم التذكية
و أمّا استصحاب عدم التذكية، فإنّنا نريد به التنجيز لا محالة، و هذا لا يحصل، لأنّ مجرد نفي موضوع الحلية لا يكفي لإثبات الحرمة، بعد ما فرضنا أنّ موضوع الحرمة ضد موضوع الحلية لا نقيضها، و من الواضح، أن نفي أحد الضدين بالاستصحاب لا يثبت الضد الآخر إلّا بالملازمة العقلية، فمثلًا: إذا كنت تريد باستصحاب عدم التذكية أن تنفي الحلية، فهذا لا أثر له، إذ لم تثبت الحرمة و لم تتنجز علينا، لأنّ التنجز فرع ثبوت الحرمة، فلو فرضنا أنّ المولى في واقعة لم يحكم لا بحلية و لا بحرمة، فهل كان ينجز علينا واحداً منهما؟ إذاً، إن كان باستصحاب عدم التذكية يريد أن ينفي الحلية فقط، فهذا لا أثر عملي له، و إن كان يريد إثبات الحرمة حتى تتنجز، فهذا غير معقول، لأنّ نفي أحد الضدين بالاستصحاب لا يكفي لإثبات الضد الآخر إلّا بالملازمة العقلية.
و الحاصل: هو أنّه لو سلّمنا أن ذلك معقول ثبوتاً، بأن كانت الحلية مجعولة على المذكّى، و الحرمة مجعولة على الموت حتف الأنف، لكن مع هذا، فاستصحاب عدم التذكية لا يجري ليعارض استصحاب عدم الموت حتف الأنف، لأنّه لا يثبت الموت حتف الأنف إلّا بناء على الأصل المثبت، و حينئذٍ، فمع عدم إثباته لموضوع الحرمة لا يبقى له أثر، إذ التنجيز مترتب على إحراز الحرمة، لا رفع موضوع الحلية، و لذا، لو فرضنا أنّ الشارع لم يحكم لا بحلية و لا بحرمة، فحينئذٍ لا يتنجز على المكلّف واحد منهما.
التعليق الثالث: هو أن ما يقوله (قده): من أنّه على تقدير كون التقابل بينهما هو تقابل العدم و الملكة، فعدم التذكية هنا في الحالة السابقة لم يكن عدماً في الموضوع القابل، فليس للعدم مع الملكة حالة سابقة حتّى تستصحب.