بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٣٥١ - التنبيه الأول تنقيح جريان استصحاب عدم التذكية
و بناء على هذه البديهة من أنّ الحلية لا تحتاج ملاكاً إلى أكثر من خلو الواقعة من المفسدة الملزمة فلو فرضنا أنّ ملاك الحرمة قائم بعنوان وجودي كالموت حتف الأنف، فلا يعقل حينئذٍ أن يكون موضوع الحلية عنواناً وجودياً مضاداً له، أي للمذكّى، بل يجب أن يكون عدم ذاك العنوان هو أن (لا يموت حتف الأنف)، لأنّه يكفي في ثبوت ملاك الحلية عدم ثبوت ملاك الحرمة، إذاً، ففرضية التعارض إنّما تعقل بين موضوع الحرمة و موضوع الوجوب، فمثلًا: يمكن أن يقال: استقبال القبلة واجب، و يقال: بأنّ ضده حرام، و أمّا الحلية و الحرمة فليس الأمر كذلك، فلا بدّ أن يكون التقابل بينهما تقابل السلب و الإيجاب.
و الخلاصة: هي أنّ فرض التقابل بين موضوع الحرمة و الحلية بنحو التضاد أو العدم و الملكة في نفسه غير معقول، لأنّه يكفي في الحلية عدم تحقق ملاكات الحرمة و انتفاء موضوعها، فإذا كان موضوع الحرمة أو الحلية أمراً وجودياً كالموت حتف الأنف، فلا محالة يكون موضوع الآخر نقيضه، و معه لا يجري استصحاب عدم الموت حتف الأنف، أو استصحاب عدم التذكية.
التعليق الثاني: هو أنّه لو سلّمنا أنّ التقابل بينهما كما قال (قده): تقابل التضاد، إلّا أنّنا لا نسلّم أن الاستصحابين يتعارضان كما ادّعى، بل نقول: إنّه في مثل هذه الحالة لو أمكن استصحاب عدم التذكية فإنّه لا يجري في نفسه أولًا، و استصحاب عدم الموت حتف أنفه يكون وحده جارياً، و ذلك لأنّ استصحاب عدم الموت حتف أنفه نريد به التأمين، يعني: أن ننفي موضوع الحرمة، و هذا يحصل باستصحاب عدم موضوع الحرمة.