بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٩٩ - اعتراض على الاستدلال بروايات الوقوف عند الشبهة
الحديث لا يستفاد منه ذلك، و إنّما يستفاد منه أنّ الشبهة غير داخلة في الحمى بقرينة قوله: (إنّه إذا حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه)، و إلّا لو كانت الشبهة هي الحمى لما صحّ هذا القول.
و الحاصل: هو أنّ الرواية، من حيث السند عامية، و إن كان قد نقلها في غوالي اللآلي من أصحابنا، لكنّه نقلها مرسلة عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و في كتب العامة نقلها البخاري بصيغتين؛ فهو تارة ينقلها بصيغة: (الحلال بيّن و الحرام بيّن، و بينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم لما استبان أترك، و من اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان، و المعاصي حمى الله، و من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه).
و هو تارة أخرى ينقلها بصيغة: (الحلال بيّن، و الحرام بيّن، و بينهما شبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه و عرضه، و من وقع في الشبهات كان كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه).
و قد ورد كل من الحلال و الحرام في كلتا الروايتين معرفاً (بالألف و اللام) المفيد للاستغراق، بينما نقلها أحمد في مسنده، فجاء فيها الحلال و الحرام منكّراً، حيث ورد فيها: (حلال بيّن، و حرام بيّن، و شبهات بين ذلك)، و بها استدل من يقول: بوجوب الاحتياط من علمائنا، فإنّها أنسب بالاستدلال من صيغتي البخاري، لإمكان دعوى أنّه إذا كان الحلال بيّناً و الحرام بيّناً، إذاً، فلا بدّ و أن يراد بالشبهة المعنى المتقدم من الطائفة الأولى، أي الالتباس بين الحق و الباطل، أي موارد الضلالة و لبس الباطل ثوب الحق.