بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٧١ - الاستدلال بالكتاب على الاحتياط
فرض حظر يتقى و يحذر منه في الرتبة السابقة، إذاً، فلا بدّ من افتراض تنجز التكليف و العقوبة في المرتبة السابقة على الأمر بالتقوى، و معه: يكون مثل هذا الأمر إرشادياً، و لا يمكن أن ينقح بنفسه موضوع التقوى.
و من جملة الآيات التي استدل بها على وجوب الاحتياط، قوله تعالى: (وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ( [١]).
و هذه الآية، لا يمكن الاستدلال لها، لأنّ كلًا من القائلين: بالبراءة و الاحتياط لو أرادوا أن يفتوا بالإباحة الواقعية، أو الحرمة الواقعية، لكان ذلك حراماً، و كل منهما لو أفتى بالإباحة الظاهرية، أو الوجوب الظاهري، فإن استند إلى دليل كان معذوراً، و إلّا فلا يكون معذوراً، و من الواضح أنّ كلًا من الفريقين قد استند في مدّعاه إلى دليل من الكتاب، أو السنة، أو العقل، فإن كان من الكتاب و السنة، إذاً، قد نسب إلى المولى قولًا يعلم به، و إن كان الدليل عقلياً، إذاً، لم ينسب إلى المولى شيئاً، و إنّما نسبه إلى العقل، و هو قاطع بأنّ العقل يدرك ذلك.
و الخلاصة: هي أنّ هذا من أضعف ما استدل به على وجوب الاحتياط، إذ لا شك عند الأخباري و الأصولي في حرمة إسناد الحكم الواقعي في موارد الشبهة، و إلّا فكما يحرم إسناد الإباحة كذلك يحرم إسناد الحرمة الواقعية، و أمّا لو أفتى بالإباحة الظاهرية فهو إفتاء بعلم يستند في الأصول إلى الأدلة الشرعية، ببناء الإفتاء بالبراءة على القول بها فهو إفتاء ليس مسنداً إلى الشارع، و إنّما هو مسند إلى
[١] سورة الإسراء، الآية: ٣٦.