بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٦٤ - الاستدلال بالكتاب على الاحتياط
(وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ)، بدعوى أن المجاهدة تعني: المجاهدة في طاعة الله، لوضوح لزوم غاية الجهد الذي يشمل الاحتياط في الشبهات، إذ إنّ من لم يحتط في الشبهة لا يكون باذلًا للجهد في طاعة الله تعالى.
و أورد عليه أولًا: بأنّ الجهاد المأمور به في الآية قد حذف متعلقه المباشر، و من الواضح أنّه لا يمكن أن يكون مصب المجاهدة هو الله تعالى مباشرة، إذاً، فلا بدّ أن يكون شأناً من شئونه، إذاً، لا بدّ أن يكون المصب حيثية مقدّرة تكون هي متعلق المجاهدة.
و في مقام تحديد ذلك المصب، فإنّه كما يمكن أن يكون هو (طاعة الله تعالى)، يمكن أن يكون هو نصرة الله، و الدفاع عن دينه، و كذلك يحتمل أن يكون المصب هو معرفة الله.
و هذه الاحتمالات الثلاثة لا معيّن و لا مرجح لأحدها على الآخر، و إن ادّعي ظهورها في الاحتمال الثالث، لأنّها واردة في سياق الرد على العقائد الأخرى الباطلة، فتكون حينئذٍ من قبيل قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) ( [١])، بل لا يبعد أن يكون هذا المعنى هو الأقرب لظاهر الآية، لأنّ الجهاد، لأنّ الجهاد لمعرفة الله كأنّه جهاد في الله تعالى، لأنّ الاثنينية معدومة بين الشيء و معرفته عادة، و لو فرض أن تنزلنا عن هذا الاحتمال، فلا يبعد أن يدّعى الاحتمال الثاني كونه أقرب من الأول، فإنّه أنسب مع التعبير بالجهاد.
و أورد عليه ثانياً: بأنّه لو سلّمنا بأنّ المجاهدة هنا هي بمعنى: المجاهدة في الطاعة، إذاً، ستكون هذه الآية كسائر الأوامر بطاعة
[١] سورة العنكبوت، الآية: ١٦٩.