بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢٠٦ - الاستدلال على البراءة بالاستصحاب
المرغوب و المطلوب إثباته بالأصل العملي ليس مترتباً على مؤدّى هذا الأصل، بل هو مترتب على مجرد الشك كما مثلنا في القسم الثاني من أنّ حرمة التشريع موضوعها الشك بصدور حكم من المولى، فمجرد الشك في صدوره يحصل العلم الوجداني بحرمة التشريع، لتحقق الشك وجداناً، و حينئذٍ لا معنى لإجراء الاستصحاب، لأنّ الاستصحاب ليس موضوعاً لهذه الحرمة لكي نجريه.
و أمّا القسم الثالث: فهنا أيضاً نقول: بأنّ لا يجري الاستصحاب، لأنّه تحصيل للحاصل، بل من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل، لأنّ هذه الحرمة، (أي الحرمة التشريعية)، لها أحد موضوعين على سبيل البدل، هما: (إمّا الشك، و إمّا العدم الواقعي)، و من الواضح أنّ الشك محقق وجداناً، و هذا يعني: أنّ الحرمة ثابتة يقيناً، فإذا أردنا أن نثبتها بالتعبد بموضوعها الواقعي كان ذلك تحصيلًا للحاصل، بل هو تحصيل لما هو ثابت وجداناً بالتعبد، و هذا معنى قولنا: إنّ هذا من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل.
و لا بدّ أن يلاحظ هنا: أنّ سحب هذه النكتة على القسمين الثاني و الثالث فيه نوع من التسامح، لأنّ القسم الثاني ينبغي أن يكون الإشكال فيه، أنّ المستصحب أجنبي عن الأثر المطلوب لا أنّه تحصيل للحاصل فيما لو أجرينا الاستصحاب، لأنّه لا يحصل به شيء أصلًا، و إنّما إشكال تحصيل الحاصل ينبغي أن ينصب على القسم الثالث، لأنّه يقال: إنّ الأثر المطلوب من إجراء استصحاب عدم التكليف هو، التأمين من العقاب، و هذا يترتب على نفس الشك وجداناً ببركة قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) (عند من يقول بها)، فإذا أريد تحصيل هذا الأمر الوجداني بالتعبد الاستصحابي، حينئذٍ يكون هذا من تحصيل الحاصل، بل من أردأ أنحاء تحصيل الحاصل.