بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٤ - الاستدلال على البراءة بالسنة
و حينئذٍ يدور الأمر بين الوجه الأول و الثاني، و قد يحصل التعارض ما بين هذين الوجهين، لأنّ كلًا منهما فيه عناية، فيدور الأمر بين عنايتين، أو بين ظهورين، أي بين أصالة عدم عناية التقدير التي تنفي الوجه الأول، و تعيّن الوجه الثاني، و بين أصالة الظهور في العناوين التسعة التي تقتضي أن تكون هذه العناوين فانية في وجوداتها الخارجية لا التشريعية، إذاً، لا بدّ من رفع اليد عن أحد الأصلين لا محالة، و لا مرجح لأحدهما على الآخر.
و لا ينبغي الاستشكال في أنّ الوجه الثاني هو المتعين عرفاً، لأنّ أصالة عدم التقدير في المقام تكون جارية و لا يقوى على معارضتها أصالة الظهور في العناوين التسعة باعتبار أقوائيتها، و ذلك لأنّ أصالة الظهور التي يراد بها إثبات أنّ المقصود من العناوين التسعة هو الوجودات الخارجية لا التشريعية، فإنّ هذا الأصل يعلم بعدم مطابقته للمراد الجدي على كل حال، يعني: يعلم بعدم كونه موضوعاً جدياً للحكم الذي هو الرفع فيها، لأنّه إن كان المراد من التسعة وجوداتها التشريعية، فواضح أنّ هذا غير مقصود، و إن كان المراد من التسعة وجوداتها الخارجية، إذاً، فهذا مقصود استعمالي فقط، و ليس هذا موضوعاً للرفع، إذ يستحيل أن يتعلق الرفع بالوجودات الخارجية، إذاً، لا بدّ من تقدير وسيط يكون الرفع منسوباً إليه، لأنّه يعلم تفصيلًا أنّ ظهور العناوين التسعة في الوجود الخارجي لها، غير مراد جداً، و إنّما يحتمل كونه مراداً استعمالًا، و حينئذٍ يدخل تحت كبرى أنّ أصالة التخصيص لا تجري إذا علم بعدم المراد الجدي و شك في أن يكون المراد هو الاستعمالي، و إنّما تجري أصالة التخصيص إذا كانت واقعة في طريق تشخيص المراد الجدي.
و قد فرّعوا على هذه الكبرى، ما إذا دار الأمر بين التخصيص و التخصص، فقالوا: لا تجري أصالة العموم لإثبات التخصيص، لأنّ