بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٠٣ - الاستدلال على البراءة بالسنة
أمّا الجهة الأولى: فنقول: إنّ الذي دفع إلى هذا الكلام، هو معلومية أن المشكوك في الشبهات الحكمية هو غير المشكوك في الشبهات الموضوعية، لأنّ المشكوك في الشبهات الحكمية إنّما هو الحكم الشرعي، و المشكوك في الشبهات الموضوعية إنّما هو الشيء الخارجي، فكون مصب الشك مختلفاً و متبايناً هو الذي دفع إلى الحديث في أنّه، هل يوجد جامع بين هذين المتباينين، بحيث يشمله كلام واحد، و فقرة واحدة هي، (رفع ما لا يعلمون)، أو لا؟
و من الواضح، أنّ أوّل ما يتبادر إلى الذهن في تصوير الجامع هو ما ذكره صاحب الكفاية (قده) ( [١])، من أنّ اسم (ما) في قوله: (رفع ما لا يعلمون) مدلوله يساوق مفهوم الشيء، و هذا مفهوم عام جامع بين التكليف و الموضوع الخارجي، ففي الشبهة الحكمية يشك في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال، و وجوب الدعاء شيء، و في الشبهة الموضوعية يشك في أنّ هذا المائع خمر أو ليس بخمر، و خمرية هذا المائع شيء من الأشياء، فقول (عليه السّلام): (رفع ما لا يعلمون) مفاده:
(رفع كل شيء لا يعلم)،
سواء كان تكليفاً، أو موضوعاً خارجياً.
ثمّ إنّ صاحب الكفاية (قده) ( [٢]) اعترض على هذا البيان من تصوير الجامع، بدعوى: أنّه غير معقول، و ذلك لأنّ الشيء المستفاد من الموصول (ما) إذا أخذ بمعنى جامع بين التكليف و الموضوع، و أسند الرفع إليه بلحاظ هذا المعنى الجامع، يلزم الجمع في إسناد الرفع إلى الشيء بين الإسناد الحقيقي، و الإسناد المجازي، و ذلك لأنّ الرفع إسناده إلى الشيء الذي هو التكليف يكون إسناداً حقيقياً، لأنّه إسناد
[١] كفاية الأصول: الخراساني، ج ٢، ص ١٧٥ ١٧٤
[٢] تعليقة الخراساني على الرسائل، ص ١١٤ ط مكتبة بصيرتي.