بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٣٨ - هل يجب على المتمتع أن يأكل من هديه؟
يكونوا كالفقراء يأكلون من لحوم الهدي. قال الفخر الرازي [١] : إن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم الهدي ترفعاً على الفقراء، فأمر الله المسلمين بالأكل لما فيه من مخالفة الكفار ومساواة الفقراء.
وعلى هذا الوجه لا ظهور للأمر بالأكل في الآية الكريمة في إفادة الترخيص والإباحة، بل هو على ظهوره في الوجوب، فإنه إذا كان عدم أكلهم من لحوم الهدي من جهة الترفع على الفقراء والتعالي عليهم فالمناسب أن يلزموا بالأكل منها لحملهم على عدم الترفع وإزالته عن نفوسهم.
ولكن الأقرب هو ما يستفاد من كلمات آخرين من أن أهل الجاهلية إنما كانوا يحرمون على صاحب الهدي أن يأكل من هديه من حيث إنه يقدمه للآلهة أو للرب فليس له أن يتصرف فيه بعدئذٍ بل عليه أن يتركه لمن يرغب فيه من الفقراء والمساكين أو تأكله سباع البر أو جوارح الطير.
ومن هنا ذكر غير واحد أن الأمر بالأكل في الآية الكريمة إنما هو للإباحة وليس للوجوب، ولو كان تركهم الأكل من لحوم الهدي من جهة الترفع عن المساواة مع الفقراء والمساكين لما منع ذلك من ظهور الأمر به في الوجوب كما هو واضح.
وبالجملة: الظاهر أن امتناع أهل الجاهلية من الأكل من قرابينهم ونسكهم إنما كان من جهة أنهم كانوا يرون أن من يهدي فإنما يخرج الهدي من ماله ويقدمه لله أو للرب أو للآلهة فلا ينبغي أن يأكل منه.
وهذا المعنى قريب من الأذهان حتى في زماننا هذا، حيث لا يستساغ أن يأكل الشخص بنفسه مما يجعله لله بنذر أو ما يشبهه، وربما توحي إليه الروايات الواردة في حكم أكل صاحب الهدي من هديه حيث ورد في العديد منها السؤال عن حكم ذلك، وفي بعضها ابتدأ الإمام ٧ ببيان حكمه، وقد فصّل في بعضها بين ما يكون من تمام الحج كهدي التمتع فرخص في الأكل منه وبين ما يكون من نقصان الحج كهدي الكفارة فمنع من ذلك، وفي بعضها الترخيص في الأكل من
[١] تفسير الفخر الرازي ج:٢٣ ص:٢٩.