بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٢٤ - إذا سلم الى الغير مبلغاً وكلفه بشراء الهدي وذبحه ثم شك في قيامه بذلك
تعدد الوسائط فقد مرّ أن مقتضى الأصل العقلائي عدم الاعتداد به، ولا حاجة إلى الاطمئنان بعدمه.
وبما تقدم ظهر أن أياً من المضعفات التي أوردها بعض الأعلام (طاب ثراه) وادعى أن اقترانها بروايات الثقات تمنع عادة من حصول الاطمئنان الشخصي بصدورها مما لا يمكن المساعدة عليه [١] ، وبذلك لا يبقى وجه للتمسك بسيرة المتشرعة على حجية خبر الثقة، فليتدبر.
(الوجه الثالث): آية النبأ، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾، بدعوى دلالتها على حجية خبر العادل، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين خبره في الأحكام وخبره في الموضوعات الخارجية.
ولكن في أصل دلالة هذه الآية الكريمة على حجية خبر العادل كلام طويل الذيل في علم الأصول، ولا بأس بالتعرض لجانب منه في المقام، وهو أن عمدة ما قيل في وجه دلالتها على حجيته هو أن الأمر بالتبين فيها إرشاد إلى عدم الاعتداد بالنبأ وعدم حجيته، وحيث إنه ـ أي الأمر بالتبين ـ علق على كون الجائي به ـ أي بالنبأ ـ فاسقاً دل بمقتضى مفهوم الشرط على حجية الخبر إذا كان الجائي به عادلاً، وهذا هو المطلوب.
أقول: قد وقع الخلاف بين الأعلام في دلالة الشرطية الواردة في الآية الكريمة على المفهوم وعدم دلالتها عليه، فمنهم من قال إن هذه الشرطية مسوقة لبيان تحقق الموضوع، أي أنها في واقعها ثنائية مركبة من موضوع وحكم وإن كانت بظاهرها ثلاثية أي مركبة من موضوع وشرط وحكم، لأن الشرط فيها ليس سوى تحقق الموضوع نظير قولنا: (إن وجد العالم فأكرمه) حيث لا مفهوم له كما هو واضح.
ومنهم من قال: إن الشرطية المذكورة ثلاثية الأطراف، فتدل على انتفاء
[١] هذا بالنسبة إلى عصر المعصومين : وما قرب من عصرهم، وأما في العصور المتأخرة فحصول الاطمئنان بصدور الروايات الواصلة إلينا يواجه عوائق متعددة. ولكن الإنصاف تيسر حصوله أيضاً في معظم الموارد لمن لديه خبرة وممارسة طويلة في حقل الروايات والأخبار.