بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٨٧ - إذا تصرف في الهدي بغير ما أذن له فيه
وبالجملة: الضابط الذي ذكره (قدس سره) للضمان في المقام غير تام.
وأما ما ذكره (رضوان الله عليه) في كتاب الطهارة ـ وورد نظيره في كلام سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته) ـ من اشتراط كون المال ملكاً لأحد أو متعلقاً لحق مالي حتى يكون إتلافه موجباً للضمان فهو مما يمكن الخدش فيه، لأن عمدة الدليل على الضمان هي السيرة العقلائية الممضاة من قبل الشارع المقدس، ومن يرجع إلى سيرتهم يجد أنهم لا يوافقون على نفي الضمان في إتلاف ما لا مالك له إلا في المباحات الأصلية ـ على كلام في كليته فيها أيضاً ـ لا في جميع الموارد، ولذلك يلاحظ أن العبد إذا تحرر يكون الإضرار ببدنه بجرح أو كسر أو غيرهما موجباً عندهم للضمان [١] بغض النظر عن حكم الشارع بثبوت الدية بذلك، وهكذا في عرصة المسجد إذا كانت رملية ـ مثلاً ـ وقام شخص باتخاذها مقلعاً وأخذ الرمل منها لأغراض إنشائية أو غيرها وكان طمها للاستفادة منها مسجداً يتوقف على صرف مبلغ من المال فإن العقلاء يرون ضمان من أحدث الحفر وإمكان إلزامه بتحمل كلفة الطمّ.
وبالجملة: القول بأن مناط الضمان عند العقلاء هو بإتلاف ما يكون له مالك أو يكون مورداً لحق مالي للغير ليس بواضح بل ممنوع، فإن المتتبع لسيرة العقلاء يجد أنهم يثبتون الضمان في بعض الموارد الأخرى وإن لم يكن للمال مالك ولم يكن مورداً لحق مالي.
وبهذا البيان يظهر أنه لا مجال للقول بأن السيرة التي هي عمدة المستند في ثبوت الضمان بالإتلاف أو بالتلف تحت اليد إنما هي دليل لبي يجب الاقتصار على القدر المتيقن منه، وهو في ما يكون للمال مالك أو يتعلق به حق مالي للغير. فإن لزوم الاقتصار على القدر المتيقن إنما يتجه فيما إذا لم يتوفر شاهد واضح على شمول السيرة لما هو خارج عن القدر المتيقن، وإلا فلا بد من البناء على
[١] قد يقال: إن العبد بعد التحرير لا يعدّ مالاً، فيختلف عما هو محل البحث من المال الذي لا مالك له. ولكن يمكن أن يقال: إن بدن الحر يجري عند العقلاء مجرى المال بل هو أولى منه، من حيث إن الاضرار به يوجب الضمان لصاحبه، فليتأمل.