بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٠٤ - الوجوه التي يمكن الاستدلال بها على لزوم قصد النيابة في ذبح الهدي
بذلك كما ذكره (قدس سره)، مضافاً إلى ما تقدم من إمكان استفادة الأمر من بعض الروايات الواردة في الهدي الضال.
والمتحصل مما سبق: أن الخلاف في اندراج مفروض الكلام في باب النيابة وعدم اندراجه فيه ينبغي أن يبنى على الخلاف في أن الذبح الصادر من الجزار بطلب من الحاج هل ينسب إلى الحاج على وجه الحقيقة أو لا، فعلى الوجه الأول لا محل لإدراج المقام في باب النيابة، وعلى الثاني يتعين اندراجه في هذا الباب [١] .
[١] ذكر بعض الأعلام في (مناسك الحج ص:٢٥١ــ٢٥٢) أن إيكال الحاج ذبح هديه إلى الغير يكون على نحوين ..
الأول: أن يطلب منه ذبح الهدي له، وفي هذا النحو لا يكون الذابح نائباً عن الحاج، ولذلك لا يشترط فيه الإيمان ـ بناءً على اشتراطه في النائب ـ وليس عليه نية النسك بل الحاج هو الذي يتولى النية.
الثاني: أن يعهد إليه بعملية الذبح فيكون نائباً عنه في القيام بها، وفي هذا النحو يتولى الذابح النية بتفاصيلها من قصد العمل والتعيين والقربة، كما ينوي المنوب عنه التقرب إلى الله باستنابته ويظل على قصده هذا إلى أن يذبح النائب عنه، ويشترط في الذابح الإيمان على المشهور من حيث إنه نائب.
أقول: ذكر الفقهاء (قدّس الله أسرارهم) في باب الوكالة أنه قد يجعل الغير وكيلاً في مجرد إجراء العقد، وقد يجعله وكيلاً مفوضاً إليه أمر المعاملة، وفي الثاني يرجع إليه البائع بالثمن ويدفع إليه المبيع، ويرجع عليه المشتري بالمثمن ويدفع إليه الثمن، ويثبت له الخيار عند تحقق موجبه، وأما في الأول فلا يكون له شيء مما ذكر.
ويبدو أن ما أفيد من النحوين في طلب ذبح الهدي من الغير يشبه ما ذكروه في باب الوكالة، بل ظاهر بعض آخر من الأعلام في (مناسك الحج والعمرة ص:١٩٥) كونه من موارده حيث قال: (يجوز التوكيل فيه ـ أي في الذبح ـ سواء أكان راجعاً إلى تكليف الغير بمباشرة الذبح أم كان راجعاً إلى تفويض الغير في أمر الذبح أو النحر بحيث يكون لذلك الغير أن يباشر الذبح أو النحر عن المكلف بنفسه أو يختار من يقوم به عنه).
والذي ينبغي أن يقال: إن هاهنا صوراً ..
١ ـ أن يطلب الحاج من الجزار ذبح هديه.
٢ ـ أن يطلب من الغير أن يذبح هديه أو تكليف جزار بذلك.
٣ ـ أن يعهد إلى الغير شراء الهدي ثم ذبحه بنفسه أو بتكليف الغير بذلك.
٤ ـ أن يعهد إلى الغير شراء الهدي وذبحه ثم تقسيم لحمه بإهداء البعض والتصدق ببعض آخر مع جلب بعضه له ليأكل منه هو وعائلته.
والصورة الأولى خارجة عن باب الوكالة المصطلحة، ولكن وقع الخلاف في كونها من باب الاستنابة أو التسبيب بالمعنى الأخص، ومرّ أن المختار هو الأول.
وكذلك الحال في الصورة الثانية فإنها خارجة عن باب الوكالة وإنما تندرج في باب الاستنابة أو التسبيب بالمعنى الأخص، غاية الأمر مع الواسطة تارة وبدونها أخرى. نعم مرجع تكليف الغير مع الواسطة في القيام بالذبح بأجرة إلى توكيل الوسيط في استئجاره لذلك.
وأما الصورة الثالثة فهي مشتملة على الوكالة في شراء الهدي مع الاستنابة في ذبحه أو التسبيب بالمعنى الأخص في القيام به بنحو ما ذكر في الصورة الثانية.
وأما الصورة الرابعة فتشتمل على ما مرّ في الصورة الثالثة بالإضافة إلى التوكيل في إهداء جزء من الهدي إلى بعض المؤمنين، والتصدق بجزء على بعض الفقراء، وإبقاء جزء ثالث أمانة في يده إلى حين تسليمه إلى الحاج.
وبما تقدم يظهر أن إيكال ذبح الهدي إلى الغير لا يكون إلا على وجه واحد، إما مندرجاً في باب الاستنابة أو خارجاً عنه. ولا يظهر وجه لما أفاده بعض الأعلام من جعله على نحوين، كما لا وجه لإدراج ذلك في باب الوكالة المصطلحة كما ربما يظهر من كلام بعض آخر، فليتدبر.
هذا وأما ما ذكره بعض الأعلام في من تلزمه نية الذبح ووقت النية فسيظهر الحال فيه مما سيأتي، فليلاحظ.