بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٠١ - الوجوه التي يمكن الاستدلال بها على لزوم قصد النيابة في ذبح الهدي
الوجه الثالث: إذا أمكن الالتزام بأنه يكتفى من الحاج أن يقصد القربة بتسبيبه في صدور الذبح من الجزار، ولا حاجة إلى وقوع الذبح نفسه بقصد القربة، أو أمكن الالتزام بأنه لا مانع في فعل الغير الصادر منه بإرادته واختياره أن يقصد القربة به من يتسبب في صدوره منه، وإن لم يكن ينسب إليه حقيقة، يتجه البناء على عدم الحاجة إلى قصد النيابة في مفروض الكلام، فيكفي أن يقوم الجزار بالذبح من دون أن ينوي وقوعه عن الحاج.
ولكن كلا الوجهين مما لا سبيل إلى الالتزام به ..
أما الأول فلأن المرتكز في أذهان المتشرعة كون الذبح بصفته أحد واجبات حج التمتع فعلاً عبادياً منوطاً بقصد القربة والتخضع به إلى الله تعالى، فلا محل للبناء على الاكتفاء بقصد التقرب بالتسبيب في وقوعه في الخارج، أي من دون أن يقصد من ينسب إليه الذبح حقيقة التقرب به إلى الله عز وجل.
وهو نظير الطواف عن العاجز الذي لا يكتفى فيه بقصد القربة في تسبيب العاجز في صدوره من النائب عنه، بل لا بد أن يقصد النائب نفسه التقرب إلى الله تعالى في الإتيان به.
وأما الثاني فلأن ما يمكن قصد التخضع والتقرب به إلى الله تعالى هو الفعل المنتسب إلى الشخص حقيقة، سواء أكان تصرفاً اعتبارياً قام به وكيله أو كان فعلاً خارجياً تسبب في صدوره عن الغير إذا كان من قبيل الحيوان المعلّم أو الانسان الآلي، وأما الفعل الصادر من إنسان آخر بإرادته واختياره فليس لمن جعل له الداعي في قيامه به أن يتقرب به إلى الله تعالى، بل أقصى الأمر أن يتقرب بتسبيبه في صدور الفعل منه.
والحاصل: أنه لا سبيل إلى المساعدة على أي من الوجهين المذكورين، فيتعين الالتزام باشتراط قصد القربة في فعل المباشر للذبح، ولكن لا وجه لاعتبار قصد القربة فيه إلا إذا كان يأتي به نيابة عن الحاج، ليتطابق عمله مع الذبح الصادر من الحاج لو باشره بنفسه. وأما مع افتراض عدم اشتراط قصد النيابة في عمله فلا موجب لاعتبار قصد القربة فيه.