النور الساطع في الفقه النافع - كاشف الغطاء، الشيخ علي - الصفحة ٤٤٣ - تحقيق ان الأصل في الأمارتين المتعارضتين هو التخيير لا التساقط
الوجوب. (قلت): إن القائلين بالسببية في حجية الأمارات على ثلاثة وجوه:
(الأول) الوجه الذي ذهب إليه الأشاعرة و هو القول بخلو الواقع عن المصلحة رأسا و إن الحكم تابع لمؤدي الامارة و هذا تصويب باطل.
(الثاني) ما ذهب إليه المعتزلة و هو أن الواقع مشتمل على المصلحة الموجبة لإنشاء حكم مشترك بين العالم و الجاهل و لكن بقيام الامارة تحدث مصلحة غالبة على مصلحة الواقع توجب إنشاء الحكم على طبقها بحيث يتبدل الحكم الواقعي إلى مؤدى الامارة لو قامت الامارة على الخلاف لأن المصلحة المزاحمة بمصلحة أقوى منها لا تصير منشأ للحكم فلا يعقل أن يقال للكذب النافع انه قبيح واقعا.
(الثالث) ما ينسب الى بعض الإمامية و هو أن قيام الامارة لا يوجب حدوث مصلحة في المؤدى و لا مغيرا لمصلحة الواقع و إنما يكون في سلوك الامارة و تطبيق العمل على مؤداها فيه مصلحة يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع على تقدير مخالفتها فلو قامت الامارة على وجوب الجمعة و صلى الإنسان الجمعة ثمَّ انكشف له في الوقت وجوب الظهر لم يتدارك بسلوك الامارة إلا المصلحة التي فاتته بعدم المبادرة لصلاة الظهر أول الوقت و لو انكشف له بعد خروج الوقت تتدارك له مصلحة الوقت. إذا عرفت ذلك فمحل كلامنا هو القول الثالث و أما القولان الأوليان فلا كلام لنا فيهما لقيام الإجماع و ضرورة المذهب على بطلانهما و إذا كان محل كلامنا هو ذلك فحينئذ تعرف ان المصلحة السلوكية تستدعي وجوب السلوك سواء كانت في الامارة القائمة على الوجوب أو في الامارة القائمة على الإباحة فإذا تعارضا كان كل منهما يجب سلوكه لوجود المصلحة السلوكية المقتضية للوجوب فيه و حينئذ فيكون المقام من قبيل المتزاحمين كإنقاذ الغريقين فلا محيص من التخيير بينهما سلوكا.