مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - العلامة الحلي - الصفحة ٤٠٦
و لأنّ العلم أقوى دلالة من الظنّ، و إذا جاز الحكم مع الظنّ، جاز مع العلم على طريق الأولى.
احتجّ ابن الجنيد: بأنّ في الحكم بعلمه تزكية نفسه، و لأنّه إذا حكم بعلمه فقد عرّض نفسه للتهمة و سوء الظنّ به.
و الجواب: التزكية حاصلة للحاكم بتولية الحكم له، و ليس ذلك بتابع لإمضاء الحكم فيما علمه، و التهمة حاصلة في الحكم بالبيّنة و الإقرار مع عدم الالتفات إليها.
قال السيّد المرتضى: و وجدت لابن الجنيد كلاما في هذه المسألة غير محصّل، لأنّه لم يكن من هذا و لا إليه، و رأيته يفرّق بين علم النبي عليه السلام بالشيء و بين علم خلفائه و حكّامه.
و هذا غلط منه، لأنّ علم العالمين بالمعلومات لا يختلف، فعلم كلّ واحد بمعلوم بعينه كعلم كلّ عالم به، و كما أنّ الإمام أو النبي إذا شاهدا رجلا يزني أو يسرق، فهما عالمان بذلك علما صحيحا، و كذلك من علم مثل ما علماه من خلفائهما.
قال: و وجدته يستدلّ على بطلان الحكم بالعلم بأن يقول: وجدت الله تعالى قد أوجب للمؤمنين فيما بينهم حقوقا أبطلها فيما بينهم و بين الكفّار و المرتدّين، كالمواريث و المناكحة و أكل الذبائح، و وجدنا الله تعالى قد أطلع رسوله صلّى الله عليه و آله على من كان يبطن الكفر و يظهر الإسلام، و كان يعلمه و لم يبيّن عليه السلام أحوالهم لجميع المؤمنين، فيمتنعوا من مناكحتهم و أكل ذبائحهم.
و هذا غير معتمد، لأنّه أوّلا: لا نسلّم له أنّ الله تعالى قد أطلع نبيّه عليه السلام على مغيّب المنافقين و كلّ من كان يظهر الإيمان و يبطن الكفر من أمّته.
قال السيّد المرتضى: و إن استدلّ على ذلك بقوله تعالى وَ لَوْ نَشٰاءُ لَأَرَيْنٰاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمٰاهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [١] فهذا لا يدلّ على
[١] محمد: ٣٠.