مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - العلامة الحلي - الصفحة ٤٤٧
و أمّا ثانيا: فلأنّ شهود الفرع قد لا يتّفق لهم الانتقال، فالشهادة الثالثة لا تسمع.
و أيضا لو لم يشرع ذلك، لبطلت الحجج على تطاول الزمان بموت شهود الأصل و الفرع.
و أيضا لو لا ذلك، لدامت الخصومات في القضيّة الواحدة بأن يرافعه المحكوم عليه إلى حاكم آخر غير الأول، فإن لم ينفذ الثاني ما حكم به الأوّل، ابتدأ الخصومة، و استمرّت المنازعة في ذلك، و هو ضرر عظيم، و مناف لقصد نصب الحكّام الذين وضعوا لفصل الخصومات و قطع المنازعات.
و أيضا البيّنة تثبت ما يثبت بالإقرار مع الجحود، و لو اعترف الغريمان أنّ حاكما حكم عليهما بكذا، فإنّ الحاكم الثاني يلزمهما حكم الأوّل، و كذا لو قامت البيّنة به.
احتجّوا: بما ورد من المنع من كتاب قاض إلى قاض [١].
و بأنّه حكم بالظنّ المنهيّ عن العمل به.
و الجواب: أنّ ما ذكرناه ليس عملا بكتاب قاض إلى قاض.
و الظنّ متّبع في الشهادة و الفتوى و حكم الحاكم، و ما نحن فيه من هذا القبيل.
إذا عرفت هذا، فهذا الحكم إنّما يثبت في حقوق الناس من الأموال دون الحدود و دون حقوق الله تعالى، بشرط أن يحضر الشاهدان- اللّذان شهدا بإنهاء الحكم إلى الحاكم الثاني- خصومة المتنازعين، و يسمعا الدعوى و حكم الحاكم، و يشهدهما الحاكم على حكمه، فحينئذ إذا شهدا عند الحاكم الثاني بما شهداه- من الواقعة و ما سمعاه من لفظ الحاكم و حكمه- أنفذ ما حكم به، لا بمعنى أنّه يحكم بصحّة الحكم في نفس الأمر.
[١] التهذيب ٦: ٣٠٠/ ٨٤٠ و ٨٤١.