بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٣٥ - هل يجب على المتمتع أن يأكل من هديه؟
ويمكن أن يلاحظ على ما أفاده (قدس سره) ..
أولاً: بأن عدم ثبوت تحريم أهل الجاهلية الأكل من الهدي على صاحبه لا يضر بالمقصود، فإنه يكفي احتمال ذلك احتمالاً معتداً به في عدم إحراز ظهور الأمر بالأكل في الآية الكريمة في الوجوب، هذا على مبنى المشهور من ظهور صيغة الأمر في حدّ ذاتها في الوجوب، وكذلك الحال على مبناه (قدس سره) من ظهورها في وضع الشيء على ذمة المكلف فيحكم العقل بلزوم الإتيان به ما لم يرد ترخيص في تركه، فإنه على كلا المبنيين لا بد من إحراز أصل الظهور، وعندئذٍ لا يعتد باحتمال إرادة خلاف الظاهر، لكون الظهور حجة على خلافه، وأما إذا لم يحرز أصل الظهور فلا سبيل إلى استفادة الوجوب بأي من الوجهين.
ولكن يمكن أن يناقش في هذا الكلام بأن مرجع الشك في تحريم أهل الجاهلية الأكل من الهدي على صاحبه إلى الشك في وجود قرينة حالية حافة بصدور الأمر بالأكل آنذاك تمنع من ظهوره في معناه الأصلي وتصرفه إلى الدلالة على الترخيص في الأكل وإباحته، وفي مثله لا مانع من إجراء أصالة عدم القرينة، كما هو الحال في سائر موارد احتمال وجود القرينة المانعة من ظهور الكلام في معناه الأصلي، فإن هذا الأصل العقلائي ينقح موضوع أصالة الظهور.
نعم ذكر بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] : أن أصالة عدم القرينة لما كانت أصلاً عقلائياً قائماً على أساس نكتة الكشف النوعي لا التعبد ـ إذ ليس للعقلاء أصول تعبدية ـ ففي موارد احتمال القرينة المتصلة لا يمكن نفي القرينة بالأصل إلا مع احتمال الغفلة والاشتباه، وأما في غير ذلك فإن كانت القرينة المحتملة من القرائن الحادثة في مجلس المخاطبة فيمكن نفيها من جهة أنها لو كانت لكان ينبغي نقلها وعدم السكوت عنها، وأما إذا كانت من القرائن التي هي مناسبات عامة معاشة في الأذهان العرفية فحيث إنها ليست مما ينقل فينحصر طريق نفيها بمراجعة تاريخ صدور النص وملاحظة الملابسات والظروف التي كانت معاشة
[١] بحوث في علم الأصول ج:٣ ص:٣٠٤.