بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٣٠ - إذا لم يصم الثلاثة حتى أهلّ هلال محرم سقط الصوم وتعين الدم
هذا كله في التعارض بين صحيحة معاوية ونحوها مع صحيحة منصور بن حازم، ويبقى التعارض بينها وبين صحيحتي ابن الحجاج ورفاعة، فإن مقتضاهما [١] هو أن من لم يصم الأيام الثلاثة في شهر ذي الحجة لا يشرع في حقه الصوم بعد ذلك سواء أكان معذوراً في ترك الصوم بمكة بعد أيام التشريق أم لا، وسواء أراد الصوم بعد الرجوع إلى أهله أم قبل ذلك. ومقتضى صحيحة معاوية وما بمعناها هو أن من كان معذوراً في ترك الصوم بعد أيام التشريق وقبل رجوعه إلى بلده يمكنه أن يصوم بعد الرجوع إليه سواء مع انقضاء شهر ذي الحجة أو قبل انقضائه.
وعلى ذلك تكون النسبة بين الجانبين هي العموم والخصوص من وجه، فيتعارضان فيما إذا كان معذوراً في ترك الصوم قبل الرجوع وأراد أن يصوم بعده وقد انقضى شهر ذي الحجة، فإن مقتضى صحيحتي رفاعة وابن الحجاج أنه ليس له الصيام بدل الهدي، ومقتضى صحيحة معاوية أن له ذلك.
فإن بني على عدم إمكان تقييد صحيحة معاوية ونحوها ـ للبيان المتقدم ذكره ـ يتعين تقييد الصحيحتين ورفع اليد عن إطلاقهما في من كان له عذر في ترك صيام الثلاثة أيام بمكة قبل الرجوع إلى أهله، فيبنى على أنه يجوز له أن يصوم هذه الأيام ولو كان بعد انقضاء شهر ذي الحجة.
وأما إن بني على إمكان تقييد صحيحة معاوية بحملها على خصوص من وصل إلى أهله قبل انقضاء شهر ذي الحجة بما لا يقل عن ثلاثة أيام فلا محيص من الالتزام باستقرار التعارض بين الجانبين.
ويمكن أن يقال: إن مقتضى الصناعة عندئذٍ هو ترجيح صحيحتي رفاعة
[١] هذا من جهة دلالتهما على حصر وقت صيام الأيام الثلاثة في شهر ذي الحجة، فإن مقتضاه عدم جواز الإتيان به في خارج هذا الشهر مطلقاً.
ولكن يمكن أن يقال: إن الروايتين لما كانتا مسوقتين للرد على من توهم عدم جواز صوم الثلاثة أيام إلا في أيام الحج أو عدم جواز الإتيان به في حال السفر، فلا يستفاد منهما عدم جواز أدائه بعد شهر ذي الحجة إلا في الجملة، ولا ينعقد لها الإطلاق ليشمل المعذور في تركه بمكة قبل مغادرتها إذا أراد أن يصومه عند أهله وقد انقضى هذا الشهر، فليتأمل.