بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥٦ - هل يجب على المتمتع أن يهدي ثلث هديه؟
فالعبرة في صدق عنوان (الصدقة) بكون الداعي إلى الإعطاء هو الرحمة والشفقة على المعطى له ـ دون غيره من الدواعي ـ ولا يعتبر فيه قصد القربة بحسب مفهومها العرفي، وأما اعتباره شرعاً فهو أمر آخر.
كما لا يعتبر فيه فقر المعطى له ـ وإن كان هو الملحوظ في غالب موارده ـ بل يكفي كونه مورداً للترحم والشفقة وإن كان غنياً كما إذا لم يكن له سبيل إلى ماله حين احتياجه إلى المال.
والحاصل: أن الصدقة تختلف عن سائر أنواع التمليك على وجه المجانية في أن الداعي إلى التمليك فيها لا بد أن يكون هو العطف والرحمة تجاه المعطى له لا غيره من الدواعي، وأما في الهدية ـ مثلاً ـ فالداعي لا بد أن يكون هو المودة والمحبة أو الاحترام والتقدير ونحو ذلك.
وبذلك يعرف أنه إذا ثبت وجوب إهداء قسم من الهدي في مقابل وجوب التصدق بقسم آخر منه لم يمكن الجمع بين العنوانين بإعطاء واحد، فإذا فرض اجتماع كلا الداعيين في مورد واحد يشكل انطباق عنوان الصدقة والهدية عليه بل لعله يعدّ من العطية بالمعنى الأعم، فليتأمل.
هذا وأما الاستدلال بالآية الكريمة: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ على وجوب إهداء قسم من الهدي في مقابل وجوب التصدق بقسم آخر ـ كما ورد في كلام السيد الأستاذ (قدس سره) ـ فهو مما لا يمكن المساعدة عليه، والوجه فيه [١] : أنه قد وقع الاختلاف في المراد بالقانع في الآية المباركة، فالمستفاد من جملة من الروايات أنه من (قنع يقنع ـ بكسر النون كما نص عليه أبو عبيد [٢] ـ قناعة) بمعنى رضي بما أُعطي أو بما قسم له، ففي معتبرة عبد الرحمن بن
[١] هذا مضافاً إلى أن الإهداء لا يكون إلا بالتمليك، مع أن الإطعام المذكور في الآية الكريمة أعم منه، فكيف يستدل بها على وجوبه؟! إلا أن يكون مقصود السيد الأستاذ (قدس سره) بالإعطاء هدية الأعم مما يكون على وجه التمليك المجاني أو على سبيل البذل للتصرف فيه بالأكل ونحوه مجاناً، ولكنه خلاف الظاهر.
[٢] غريب الحديث ج:٢ ص:١٥٦.