بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥٥ - هل يجب على المتمتع أن يهدي ثلث هديه؟
والمسكين. إذاً يستفاد وجوب الإهداء ـ في قبال الصدقة ـ من نفس الآية المباركة).
أقول: ينبغي أولاً بيان الفرق بين الإهداء والتصدق اللذين كلاهما من قبيل تمليك المال بلا عوض. والملاحظ أن المتداول في الكلمات وهو الذي ذكره بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] أن (الامتياز بين الإهداء والتصدق بعد عدم اعتبار الفقر في شيء منهما لجواز التصدق للغني أيضاً هو أن التصدق يعتبر فيه قصد القربة، وأما الإهداء فغير معتبر فيه ذلك).
ولكن قال بعض الأعلام (طاب ثراه) [٢] : (إن مفهوم الصدقة لم نعرف تحديده لحدّ الآن)، أي أنه لم يتبين له ما يميز الصدقة عن غيرها من التمليك المجاني.
إلا أنه قد أشرنا في موضع آخر [٣] إلى أن إعطاء المال إلى الغير وتمليكه إياه أو بذله له وجعله تحت تصرفه مجاناً يكون لدواعٍ مختلفة، فقد يكون بداعي التشجيع والتشويق ويسمى عندئذٍ بالجائزة، وقد يكون بداعي التكريم والتقدير أو المودة والمحبة ويسمى عندئذٍ بالنحلة والهدية والهبة، وقد يكون بداعي أن يحكم الآخذ لمصلحة الدافع ويسمى بالرشوة، وقد يكون بداعي العطف والرحمة والشفقة تجاه المعطى له ويسمى عندئذٍ بالصدقة، وكل ذلك يمكن أن يكون بقصد القربة إلى الله تعالى، ويمكن أن يكون بدونه.
فليس كل تمليك مجاني بقصد القربة يكون صدقة وإلا لاقتضى أن يعدّ من الصدقة ما لو أكرم عالماً دينياً بمبلغ من المال قربة إلى الله تعالى بالنظر إلى مكانته الدينية، مع وضوح عدم صدق الصدقة عليه عرفاً، وكذلك ليس كل تمليك مجاني خلا من قصد القربة لا يكون من الصدقة، بل إذا قدّم من لا يؤمن بالله تعالى إلى فقير مبلغاً مالياً بداعٍ إنساني بحت يصدق أنه تصدق به عليه.
[١] كتاب الحج (تقريرات المحقق الداماد) ج:٣ ص:٢٨٩.
[٢] المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحج) ج:١ ص:٢١٣.
[٣] لاحظ ج:٨ ص:٣٦٨.