بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٤٢ - هل يجب على المتمتع أن يأكل من هديه؟
يتوهم عدم جواز ذلك، ليحمل الأمر الموجه إليه على كونه لإفادة الرخصة والإباحة، ويصعب عادة إحراز كون المخاطب ممن يتوهم الحظر، ولا سيما في زمن الصادق ٧ حيث جرت سيرة المسلمين منذ عصر النبي ٦ على الأكل مما يذبحونه أو ينحرونه من الهدي، فلم يبق ثمة مجال لتوهم كونه أمراً محظوراً في الشريعة المقدسة.
ولذلك يمكن أن يقال: إن أمر الإمام ٧ بقوله: ((فكل)) إنما كان ظاهراً في إرادة الوجوب، وحيث إنه ٧ عقبه بقوله: ((كما قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾)) ، فلا محيص من جعله قرينة على كون المراد بالأمر بالأكل في الآية الكريمة هو الوجوب أيضاً، وليس لإفادة الإباحة والرخصة كما كان هو المستظهر منها في حدّ ذاتها.
هذا وهناك صحيحة أخرى لمعاوية بن عمار [١] وهي الحاكية لكيفية حج النبي ٦ وفيها قوله ٧: ((وأمر رسول الله ٦ أن يؤخذ من كل بدنة منها جذوة من لحم، ثم تطرح في برمة، ثم تطبخ، فأكل رسول الله ٦ وعلي وحسيا من مرقها)) . ونحوه أيضاً ما ورد في صحيحة الفضلاء [٢] .
ويمكن أن يقال: إن ما صنعه النبي ٦ ـ بحسب ما ورد في الروايتين ـ إنما يناسب كون الأكل من الهدي واجباً أو مستحباً شرعاً، إذ لو كان مباحاً فقط لما اعتنى ٦ بأن تؤخذ جذوة لحم من كل بدنة وتطبخ ثم يأكل منها ويحسو من مرقها، بل كان غاية ما هناك هو أن يأمر بالقيام بذلك في بعض البدن التي نحرها.
وبالجملة: اعتناؤه ٦ بأن تؤخذ قطعة لحم من كل بدنة فتطبخ ويأكل منها يشير بوضوح إلى أن الأكل من الهدي ـ حتى مع تعدده ـ مطلوب شرعاً، نعم لا سبيل إلى جعل ذلك دليلاً على الوجوب كما هو ظاهر.
وبذلك يظهر أن العمدة في ما يمكن الاستدلال به على وجوب الأكل من
[١] الكافي ج:٤ ص:٢٤٧ــ٢٤٨، ٤٩٩.
[٢] تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٢٢٣.