بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٤١ - هل يجب على المتمتع أن يأكل من هديه؟
كما قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾)) .
فإن المنساق منها أن قوله ٧: ((إذا ذبحت أو نحرت فكل وأطعم)) ليس لإخبار معاوية بن عمار أن الأكل من الهدي مباح، بل لحثه عليه وبيان أنه مطلوب منه شرعاً.
لا يقال: ما الفرق بين هذا الخطاب الذي توجه به الإمام ٧ إلى معاوية وبين قوله عز وجل: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ الذي خاطب به الله تعالى عامة الحجاج؟ ولِم التفريق بينهما بالبناء على عدم دلالة الآية المباركة إلا على جواز الأكل من الهدي مع دلالة الرواية الشريفة على وجوبه؟
فإنه يقال: إن مصحح الخطاب الشخصي يختلف عن مصحح الخطاب الموجه إلى جمهور المكلفين، فلا يصح أن يخاطب شخص معين بمثل قولنا: (يا فلان لا تترك الصلاة) أو (يا فلان لا تشرب المسكر) إلا إذا كان ممن يترك الصلاة أو يشرب المسكر أو أنه في معرض ارتكاب ذلك، وأما إذا كان ظاهر الصلاح فإن توجيه الخطاب إليه بمثل ذلك يعدّ إهانة بالغة له، واتهاماً مبطناً بعدم كونه ملتزماً دينياً [١] .
وهذا بخلاف ما لو خوطب جمهور الناس بالأمر بالالتزام بالصلاة والنهي عن شرب المسكر، فإنه يستساغ ذلك ولا يعدّ إهانة لهم إذا كان فيهم من يكون في معرض ترك الصلاة أو تناول المسكر.
وفي ضوء هذا يمكن أن يقال بأنه عند توجيه الخطاب العام إلى الحجاج بأن يأكلوا مما يذبحونه أو ينحرونه من الهدي يكفي في عدم استظهار كون المراد به هو الوجوب والمطلوبية الشرعية أن يكون فيهم عدد كبير ممن يتوهمون عدم جواز الأكل منه، والظاهر أن هذا كان هو واقع الحال عند نزول الآية المباركة.
وأما إذا خوطب حاج معين بأن يأكل من هديه فلا بد من افتراض أنه
[١] وبذلك يظهر أنه إنما يصح استخدام صيغة الأمر لإفادة الإباحة في الخطابات الشخصية فيما إذا أحرز كون المخاطب ممن يتوهم الحظر، وأما مع عدم إحراز ذلك فلا بد من سلوك طريق آخر لبيان الإباحة وإلا لكان المستظهر منه هو الوجوب، فليتأمل.