الشرح الکبير - ابن قدامه مقدسی، عبدالرحمن بن محمد - الصفحة ١١٧ - الشهادة بالوصية في السفر والمواضع التي خالفت فيها القياس
الحدود تدرأ بالشبهات ورجوعهما من أعظم الشبهات ولان المحكوم به عقوبة لم يبق ظن استحقاقها ولا سبيل إلى خبرها فلم يجز استيفاؤها كما لو رجعا قبل الحكم وان كان المحكوم به مالا استوفي ولم ينقض الحكم وقد ذكرناه وفارق المال القصاص والحد فانه يمكن جبره بالزام الشاهد عوضه والحد والقصاص لا يجير بايجاب مثله على الشاهدين لان ذلك ليس بجبر ولا يحصل لمن وجب له منه عوض وإنما شرع لزجر والتشفي والانتقام لا للجبر ، فان قيل فلم قلتم إنه إذا حكم بالقصاص ثم فسق الشاهد استوفي في أحد الوجهين قلنا الرجوع أعظم في الشبهة من طريان الفسق لانهما يقران أن شهادتهما زور وانهما كانا فاسقين حين شهدا وحين حكم الحاكم بشهادتهما وهذا الذي طرأ فسقه لا يتحقق كون شهادته كذبا ولا انه كان فاسقا حين أدى الشهادة ولا حين الحكم بها ولهذا لو فسق بعدالاستيفاء لم يلزمه شئ والراجعان تلزمهما غرامة ما شهدا به فافترقا ، ( الحال الثالث ) أن يرجعا بعد الاستيفاء فانه لا يبطل الحكم ولا يلزم المشهود له شئ سواء كان المشهود به مالا أو عقوبة لان الحكم قد تم باستيفاء المحكوم به ووصول الحق إلى مستحقه ويرجع به على الشاهدين فان كان المشهود اتلافا في مثله القصاص كالقتل والجرح وقالا عمدنا الشهادة عليه بالزور ليقتل أو يقطع فعليهما القصاص وبه قال ابن أبي ليلى والاوزاعي والشافعي وأبو عبيد وقال أصحاب الرأي لاقود عليهما لانهما لم يباشرا الاتلاف فأشبها حافر البئر إذا تلف به شئ .