النور الساطع في الفقه النافع - كاشف الغطاء، الشيخ علي - الصفحة ٣٦٨ - (ثالث الأدلة لهم) الاستصحاب
(و الحاصل) إن الاستصحاب فيما نحن فيه يتصور تارة في حكم نفس الواقعة و أخرى في حكم الأمارة التي قامت عليه أعني فتوى المجتهد الميت و الثاني يتصور بنحوين فإنه تارة يتصور بالنسبة لحكمها التكليفي و هو جواز الأخذ بها و تارة لحكمها الوضعي و هو حجيتها. و لكن لا يخفى انه لا يصح الاستصحاب الأول من جهة عدم اليقين السابق إذ ليس عنده علم سابق بأن الواقعة حكمها ما أفتى به المجتهد الميت و هكذا ليس عنده أمارة معتبرة إذ ليس عنده إلا فتوى الميت بذلك و هي غير معلومة الحجية لديه لأن الكلام في حجيتها بخلاف أحكام الشرائع السابقة فإنه قد قامت الحجة عليها بأخبار نبيهم الصادق الأمين.
(إن قلت) إن فتوى المجتهد أمارة معتبرة على حكمها بواسطة أدلة التقليد الدالة على حجيتها و إنما الكلام ان الحكم الذي هو مدلول الفتوى يثبت للمكلفين بعد موت المجتهد. نظير أحكام الشرائع السابقة فإن الشك في ثبوتها للمكلفين بعد نسخ الشريعة السابقة (قلت): نحن نشك في بقاء الفتوى على حجيتها بعد موت المفتي بها بحيث يكون الموت مسقطا لحجيتها حتى في ظرفها أو مزيلا لحجيتها بعد موته فلم يكن للمكلف بعد موت مفتيها إحراز حجة على الحكم الذي تضمنته.
(إن قلت): انه يستصحب الحجية للفتوى. (قلنا): هذا رجوع الى الاستصحاب بالوجه الثالث. ثمَّ ان الاستصحاب الثاني يرجع للثالث إذا قلنا بأن الأحكام الوضعية مجعولة بالذات فان جواز الأخذ بقول المجتهد عبارة عن حجية قوله أو منتزع منها كما يرجع الثالث للثاني لو قلنا بأن الأحكام الوضعية مجعولة بالتبع فإنه حينئذ معنى جعل الحجية عبارة عن جعل جواز الأخذ بقول المجتهد. و كيف كان فالجواب عن الاستصحابين المذكورين:
(أولا) أنه لا يقين للعامي الحي سابقا بثبوت الحجية و جواز الأخذ بقول المجتهد الميت لا وجدانا كما هو واضح و لا تعبدا إذ لا دليل للعامي عليه