جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٩٦ - المسنون في القراءة
................
-
و من الغريب بعد ذلك كلّه ميل المحدّث البحراني إلى القول المزبور [هو اختصاص الاستحباب بالأوّلتين] قال: لأنّ انقسام الصلاة إلى الجهريّة و الإخفاتيّة إنّما هو باعتبار الأوّلتين لا الأخيرتين؛ لتعارف التسبيح فيهما، فما في النصوص حينئذٍ من قوله:
«صلاة يجهر فيها و لا يجهر فيها» إنّما هو بالنسبة إليهما ( [١]).
و فيه: أنّه- بعد تسليم ذلك له- قد عرفت ظهور نصوص المقام في أنّ الجهر بها من حيث كونها بسملة كما هو واضح، مضافاً إلى أنّ العمدة في إخفات قراءة الأخيرتين الإجماع، خصوصاً بعد أن نزّل النصوص على ما عرفت، و هو هنا غير معلوم، بل لعلّ المعلوم خلافه. و دعوى التمسّك بإطلاق معقد الإجماع يدفعها: أنّه إن اريد المنقول منه على الإخفات في المسألة السابقة فالحلّي- مع أنّه لا يقول بحجّية أخبار الآحاد فضلًا عن الإجماع المنقول- قد عرفت أنّ ناقله هناك نقل الإجماع هنا على المطلوب، فلا أقلّ من أن يكون من قبيل المطلق و المقيّد. و إن أراد المحصّل منه ففيه: أنّ تحصيل الإجماع المصطلح على وجهٍ يتمسّك بإطلاقه حتى يأتي المقيّد ممنوع أو في غاية الصعوبة، على أنّه قد عرفت المقيّد. و احتمال كون التعارض بالعموم من وجه مع فرض ملاحظة دليل الإخفات في قراءة الأخيرتين مستقلّاً عن دليل الإخفات في غيرهما- بعد التسليم- يدفعه: وجود المرجّح من جهات عديدة.
فظهر حينئذٍ ضعف القول المزبور، كضعف المحكي عن ابن الجنيد من تخصيص الاستحباب و لو في الأخيرتين بالإمام دون غيره من المنفرد ( [٢]) و نحوه؛ إذ جميع ما سمعت [من الأدلّة] حجّة عليه، بل و غيره من ظاهر إجماع الغنية و المحكي عن السرائر ( [٣]) و غيرهما، مع أنّه لا شاهد له في النصوص على كثرتها؛ ضرورة عدم النفي عن الغير في خبر:
١- صفوان: صلّيت خلف أبي عبد اللّه (عليه السلام) أيّاماً فكان ... فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها [بالقراءة]، جهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم، و أخفى ما سوى ذلك ( [٤]). و عن الكليني زيادة: و كان يجهر بالسورتين جميعاً ( [٥]).
٢- و خبر أبي حفص الصائغ المروي عن المجالس: صلّيت خلف جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم ( [٦]).
٣- و خبر أبي حمزة قال: قال لي علي بن الحسين (عليهما السلام): «يا ثمالي، إنّ الصلاة إذا اقيمت جاء الشيطان إلى قرين الإمام فيقول: هل ذكر ربّه؟ فإن قال: نعم، ذهب، و إن قال: لا، ركب على كتفيه، و كان إمام القوم حتى ينصرفوا، قال: فقلت: جعلت فداك أ ليس يقرءون القرآن؟ قال: بلى ليس حيث تذهب يا ثمالي، إنّما هو الجهر ببسم اللّٰه الرحمن الرحيم» ( [٧]).
بل ربّما استدلّ بالخبرين الأوّلين على التعميم إمّا لعدم اعتبار مثل هذه المحتملات في أصل دليل التأسّي؛ لصدق دليله عليه بدونه، أو في خصوص التأسّي بالصلاة الحاصل من نحو قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «صلّوا كما رأيتموني اصلّي» ( [٨])؛ ضرورة صدق الصلاة كصلاته
[١] الحدائق ٨: ١٦٨.
[٢] نقله في المختلف ٢: ١٥٥.
[٣] الغنية: ٧٨. السرائر ١: ٢١٨.
[٤] الوسائل ٦: ٥٧، ب ١١ من القراءة في الصلاة، ح ١.
[٥] الكافي ٦: ٣١٥، ح ٢٠.
[٦] أمالي الطوسي: ٢٧٣، ح ٥١٣. الوسائل ٦: ٧٦، ب ٢١ من القراءة في الصلاة، ح ٨.
[٧] الوسائل ٦: ٧٥، ب ٢١ من القراءة في الصلاة، ح ٤.
[٨] عوالي اللآلي ١: ١٩٨، ح ٨.