جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٢٣ - الصلاة مع الإخلال باعراب القراءة
................
-
ضالّ؟! فقال: نعم، ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أمّا نحن فنقرأ على قراءة ابيّ» ( [١]) و إن كان الظاهر أنّ ذلك [/ ذكر قراءة ابيّ] منه (عليه السلام) إصلاح لما عساه منافٍ للتقية من الكلام الأوّل، خصوصاً و ابن مسعود عندهم بمرتبة عظيمة، و إلّا فهم المتَّبَعون لا التابعون، كما أنّهم ربّما صدر منهم (عليهم السلام) ( [٢]) ما يوافق خبر السبعة الأحرف المشهور عندهم تقيّةً.
أو يحمل على إرادة البطون كما يومئ إليه قوله (عليه السلام) بعده بلا فاصل: «فأولى ما للامام أن يفتي على سبعة وجوه» ( [٢]). و لا ينافي ذلك ما ورد من السبعين بطناً و نحوه؛ لأنّ البطون لها بطون، كما ورد في الخبر أيضاً: «إنّ لكلّ بطن بطناً حتى عدّ إلى سبعين» ( [٤]).
و عن السيّد نعمة اللّٰه أنّ ابن طاوس أنكر التواتر في مواضع من كتابه المسمّى بسعد السعود و اختاره، قال: و الزمخشري و الرضي وافقانا في ذلك ( [٥]) [/ إنكار التواتر].
قلت: بل الزمخشري صرّح بما في أخبارنا من أنّ قراءة النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) واحدة ( [٦])، و أنّ الاختلاف إنّما جاء من الرواية.
و لذلك أوجب على المصلّي كلّ ما جاء من الاختلاف للمقدّمة، و استحسنه بعض من تأخّر من أصحابنا ( [٧]) لو لا مجيء الدليل بالاجتزاء بأيّ قراءة.
و بالجملة: من أنكر التواتر منّا و من القوم خلق كثير، بل ربّما نُسب إلى أكثر قدمائهم تجويز العمل بها و بغيرها؛ لعدم تواترها.
و يؤيّده: أنّ من لاحظ ما في كتب القراءة- المشتملة على ذكر القرّاء السبعة و من تلمّذ عليهم و من تلمّذوا عليه- يعلم أنّه عن التواتر بمعزل؛ إذ أقصى ما يذكر لكلّ واحد منهما واحد أو اثنان. على أنّ تواتر الجميع يمنع من استقلال كلٍّ من هؤلاء بقراءة بحيث يمنع الناس عن القراءة بغيرها، و يمنع من أن يغلّط بعضهم بعضاً في قراءته.
بل ربّما يؤدّي ذلك إلى الكفر كما اعترف به الرازي في المحكيّ من تفسيره الكبير ( [٨]).
و دعوى أنّ كلّ واحد من هؤلاء ألّف قراءته من متواترات رجّحها على غيرها؛ لخلوّها عن الرَّوم و الإشمام و نحوهما- و به اختصّت نسبتها إليه- كما ترى تهجّس بلا درية؛ فإنّ من مارس كلماتهم علم أن ليس قراءتهم إلّا باجتهادهم و ما يستحسنوهُ بأنظارهم، كما يومئ إليه ما في كتب القراءة من عدّهم قراءة النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ و أهل البيت (عليهم السلام) في مقابلة قراءاتهم، و من هنا سمّوهم المتبحّرين، و ما ذاك إلّا لأنّ أحدهم كان إذا برع و تمهّر شرع للناس طريقاً في القراءة لا يُعرف إلّا من قِبَلِه، و لم يرد على طريقة مسلوكة و مذهب متواتر محدود، و إلّا لم يختصّ به. بل كان من الواجب- بمقتضى العادة- أن يعلم المعاصر له بما تواتر إليه؛ لاتّحاد الفنّ و عدم البُعد عن المأخذ. و من المستبعد جدّاً أنّا نطّلع على التواتر و بعضهم لا يطّلع على ما تواتر إلى الآخر. كما أنّه من المستبعد أيضاً تواتر الحركات و السكنات مثلًا في الفاتحة و غيرها من سور القرآن.
[١] الوسائل ٦: ١٦٣، ب ٧٤ من القراءة في الصلاة، ح ٤.
[٢] الخصال: ٣٥٨، ح ٤٣، و فيه: «فأدنى» بدل «فأولى».
[٤] أرسله في مفتاح الكرامة ٢: ٣٩٥.
[٥] سعد السعود: ٢٥٥- ٢٥٩.
[٦] نقله في مفتاح الكرامة ٢: ٣٩٢.
[٧] الحدائق ٨: ١٠٢.
[٨] التفسير الكبير ١: ٢١٨.