جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٨١ - الثالث من أفعال الصلاة القيام
الركوع قام منحنياً [١].
-
(١) و المناقشة بأنّ ذلك ليس بركوع؛ لاعتبار الانحناء من قيام فيه مطلقاً، أو في المعتبر منه في الصلاة المحكوم بركنيّته و بأنّ زيادته مبطلة، كما لا يخفى على من لاحظ ما دلّ على ذلك من النصوص، لا أقلّ من أن يكون المجرّد عن قيام أصلًا فرداً نادراً لا تشمله الإطلاقات، فيتدارك حينئذٍ القيام و الركوع و صحت صلاته ما لم يكن قد دخل في السجود، فيبطل حينئذٍ لفقد الركوع و القيام في الفرض لا القيام خاصّة. يدفعها: أنّ حاصلها عدم تصوّر نقصان القيام أصلًا من دون الركوع، و أنّهما متلازمان كالزيادة كما صرّح به بعضهم و حكاه في الرياض ( [١]) مناقشاً فيه تبعاً للأردبيلي بالفرض المزبور المبني على عدم اعتبار القيام في الركوع و لا في ركنيته ( [٢])، و أنّه يسمّى ركوعاً حقيقةً كما في الحدائق مستظهراً له من صاحب القاموس ( [١])، و لئن سلِّم له ذلك لغةً فلا نسلّم له أنّه هو الذي جعله الشارع ركناً، و أبطل الصلاة بزيادته و نقصه، كما لا يخفى على من لاحظ النصوص. و على كلّ حال، فحاصل المناقشة المزبورة غير قادح في المطلوب الذي هو إثبات ركنية القيام، بمعنى أنّه متى نقص القيام كنقيصة غيره من الأركان- أي لم يأت به أصلًا في الركعة- بطلت الصلاة، و لو فرض استلزامه لترك الركوع- كما هو مقتضى المناقشة- لم يقدح استناد البطلان إليهما؛ إذ علل الشرع معرّفات. و من ذلك كلّه ظهر لك أنّه لا وجه للاعتراض على المتن و نحوه ممّا اطلق ركنيته فيه بأنّ عدم قدح زيادته و نقيصته ينافي الركنية، و لا حاجة إلى الجواب عنه بأنّ الخروج للدليل لا ينافي ذلك، بل و لا إلى المحكي عن بعض فوائد الشهيد من أنّ القيام يتبع ما وقع فيه في الركنية و الوجوب خاصة و الندبية ( [٤])، و أنّه لا واجب أصلي منه إلّا المتصل بالركوع خاصة منه، و ذلك هو الركن و إن كان لا يتصوّر زيادته إلّا بزيادة الركوع، بل و لا النقيصة بناءً على ما عرفت، إلّا أنّ علل الشرع معرّفات، و إن كان هو- عند التأمل و التفكيك- بعينه مراد الفقهاء، كما اعترف به الاستاذ الأكبر في حاشيته على المدارك ( [٥]). بل لعلّ ذلك الإطلاق- الذي قد عرفت أنّ المراد منه البطلان مع الترك أصلًا على حسب قولهم: السجود ركن- أولى من ذلك:
١- لسلامته عن المناقشة بأنّ القيام و إن طال فرد واحد للطبيعة، و الآتي بأعلى الأفراد منه ليس ممتثلًا إلّا امتثالًا واحداً، فكيف يجوز اختلافه في الوجوبية و الندبية و الوجوبية و الركنية من دون مقتضٍ؟! نعم ليس هو واحداً بسيطاً لا يجوز للشارع إيجابه و ندبه، بل هو مركّب ذو أجزاء يجوز للشارع أن يفرِّق بين أجزائه في ذلك، لكن ليس في القيام إلّا أمرٌ بطبيعة و أمر بالقراءة مثلًا حاله و ندب للقنوت، و هذا لا يقتضي ندبيّة القيام؛ ضرورة أنّه لا منافاة بين وجوب القيام و ندب نفس الفعل كما في الدعاء حال الوقوف بعرفة مثلًا. و جواز ترك القيام المقارن للقنوت- بترك القنوت معه- لا يقتضي الندب أيضاً بعد أن كان الترك إلى بدل، و هو الفرد الآخر من القيام الذي هو أقصر من هذا الفرد مثلًا، كما هو شأن سائر الواجبات التخييريّة. بل يمكن أن يقال: إنّه لا جزء مندوب في الصلاة أصلًا، و مرجع الجميع إلى أفضل أفراد الواجب التخييري، و إلّا فلا يتصوّر انتزاع كلّيات هذه الأجزاء و تسميتها باسم الصلاة و جعلها متعلّقة الأمر الوجوبي مع ندبية بعض الأجزاء، مع أنّ الأمر إذا تعلّق بكلٍّ جرى إلى أجزائه قطعاً؛ و لذا لا يجوز مخالفة حكم الأجزاء للجملة كما هو واضح. فمعنى ندبية القنوت حينئذٍ: أنّ له تركه و العدول إلى فرد آخر من أفراد الصلاة؛ إذ الصلاة اسم جنس تحته أنواع مختلفة و كلّها مورد للامتثال، إلّا أنّ الأفضل اختيار النوع المشتمل على مثل القنوت و نحوه. و دعوى أنّ القنوت و نحوه من الأجزاء المندوبة أجزاء للفرد لا أجزاء لمسمّى الاسم- و إن اطلق فهو من التسامحات- يدفعها: فرض البحث في
[١] الرياض ٣: ٣٦٨. الحدائق ٨: ٢٣٤.
[٢] مجمع الفائدة و البرهان ٢: ١٨٩.
[٤] نقله في جامع المقاصد ٢: ٢٠٠- ٢٠١.
[٥] حاشية المدارك ٢: ١٥- ١٦.