جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٢٢ - الأوّل النيّة
................
-
حينئذٍ عدم قصده امتثال الأمر المعلوم لديه، و الجاهل إن كان إشكالٌ في صلاته ففيما إذا نواها مردّدة، أو بقصد الأمر الثاني الذي زعمه؛ لعدم قصده امتثال الأمر المكلّف به. لكن قد يقال: بالصحّة في الصورة الاولى إذا كان قد قصد امتثال الأمر الذي تخيّل تعدّده، لمكان قصده الصفة المشخّصة له في الواقع؛ إذ الفرض عدم أمر آخر غيره، و تخيّله أنّها غير مشخّصة لا يرفع تشخيصها الواقعي، و استوضح ذلك بأمر السيّد لعبده بالإتيان بلحم مع تخيّله تعدّد الأمر و جاء بلحم بقصد امتثال الأمر. بل قد يتجشّم للصحّة في الصورة الثانية أيضاً؛ إذ هو و إن كان قد جاء بالفعل بقصد امتثال الأمر الذي تخيّله، إلّا أنّ ما شخّصه به- من صفة الندبيّة مثلًا- وقعت في غير محلّها، فلا تفيده تشخيصاً، و الفرض تحقّق الطلب في الواقع، فينصرف الفعل إليه.
و بالجملة: هو أشبه شيءٍ بنيّة الندب في مقام الوجوب و بالعكس، و قد ذهب جمع من محقّقي مشايخنا ( [١]) إلى الصحّة معها تبعاً للمحكيّ عن المصنّف في بعض تحقيقاته ( [٢])، فتأمّل جيّداً.
و على كلّ حال، فممّا ذكرنا يظهر لك ما في كلام الاستاذ الأكبر في حاشية المدارك و إن أطنب و تبعه عليه صهره في الرياض، فلاحظ و تأمّل. كما أنّه ظهر لك ضعف القول بوجوب نيّة الوجه في المتّحد خطاباً؛ للتعيين، و أنّه ليس من موارده. أمّا غيره من الأدلّة فقد أوضحنا فسادها في باب الوضوء ( [٣])؛ حتى ما ذكره الاستاذ الأكبر من الاستدلال عليه بقاعدة الشغل ( [٤])؛ ضرورة حصول الشكّ من الشهرة أو الإجماع- كما عرفت- على اعتبار [قصد] الوجه في الصحّة، إمّا لدخوله في معنى النيّة أو المراد منها، و إمّا لاعتباره شرطاً في الصلاة. و على كلّ حال، فهو شكّ في جزء الشرط أو الجزء- على الخلاف في النيّة- أو شرط الصلاة، فيجب الإتيان به تحصيلًا لليقين بالفراغ.
إذ هو- مع أنّه غير تامّ على المختار عندنا من عدم إجمال المراد بالنيّة، و عدم شرطية ما شكّ فيه- يدفعه: أنّه لا شكّ في المقام بعد استنادهم إلى نحو ما عرفته هنا و في الوضوء ممّا هو ظاهر في عدم دليل لهم غير ذلك [/ غير دليل التعيين]، و أنّه اشتباه في محلّ وجوب نيّة التعيين، أو أنّ نيّة الوجه من جملة وجه المأمور به الذي إن لم يأت المكلّف به على وجهه لم يمتثل، أو نحو ذلك، خصوصاً بعد ملاحظة ما سمعته من أدلّة العدم التي ذكرناها في الوضوء. و ما في كتب أهل الكلام يمكن حمله على:
١- إرادة نيّة القربة لا خصوصيّة الوجوب.
٢- أو إرادة نيّة الخلاف، بل ربّما حمل كلام من اعتبرها من الأصحاب على ذلك. و إن كان الأقوى أيضاً عدم الفساد بها؛ إذا كان قد قصد الامتثال بالأمر من حيث كونه أمراً و إن اعتقد مع ذلك خلاف وصفه من الوجوب و الندب، بل لو شخّصه بذلك أيضاً لم يبعد الامتثال؛ لأنّه بعد أن كان متشخّصاً بوحدته لم يقدح فيه الغلط بتخيّل مشخّص آخر خارجيّ له؛ ضرورة كونه كمن شخّصه بزمان أو مكان و نحوهما من الامور الخارجية التي لا مدخلية لها في الامتثال.
و لقد أجاد المصنّف فيما حكي عنه من بعض تحقيقاته في نيّة الوضوء، حيث إنّه- بعد أن استظهر عدم اشتراط نيّة الوجه في صحّته- قال في جملة كلام له: «و ما يقوله المتكلّمون- من أنّ الإرادة تؤثّر في حسن الفعل و قبحه، فإذا نوى الوجوب و الوضوء [١]
[١] كشف الغطاء ٣: ١٦٥.
[٢] المسائل الطبرية (الرسائل التسع): ٣١٧.
[٣] تقدّم في ١: ٤٣١.
[٤] حاشية المدارك ٣: ٨- ٩.