جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١١٧ - الأوّل النيّة
[و النيّة في العبادة كالنيّة في غيرها من أفعال العقلاء، و هي القصد]. نعم يعتبر الإخلاص في العبادة الذي هو عبارة عن وقوع الفعل بقصد الامتثال للسيّد المنعم باعتبار ما قام في النفس و دعاها إلى الفعل من الألطاف و رجاء الثواب و دفع العقاب، و هو أمر آخر خارج عن النيّة التي هي بمعنى القصد للفعل [١]. أمّا هو [/ الإخلاص] ففي غاية الصعوبة في بعض العبادات؛ لاحتياجه إلى الرياضة التامة القالعة للقوى النفسانية و آثارها من حيث الشهرة و الرئاسة و غيرهما من الآفات المهلكة و الأمراض القاتلة، نسأل اللّٰه العافية منها [٢]. ف [- الظاهر] [٣] أنّ المدار على صدق الامتثال، من غير فرقٍ بين تعدّد الأمر و اتّحاده، سوى أنّه يتوقّف في الأوّل على تعيين الأمر، بخلاف الثاني الذي اتّحاده مع قصد امتثاله يكفي في تعيينه [٤].
-
(١) الذي لو كلّف اللّٰه بالفعل بدونه [/ القصد] لكان كالتكليف بما لا يطاق؛ ضرورة خروج صدور الفعل مع الغفلة عن القدرة، و لذا قبح تكليف الغافل و نحوه.
(٢) و إلّا فوجوب القصد المزبور- الذي يخرج به الفعل عن كونه فعل غافل- ضروريّ في المعاملة، فضلًا عن العبادة التي من مقوّماتها تعلّق الأمر بها و الاجتزاء ببعض الأفعال من الغافلين- كحفر القبر و نقل الميت و نحوهما؛ للدليل الخاص الظاهر في أنّ المراد وجودها في الخارج كيفما كان و إن لم يعدّ مثله امتثالًا و طاعة- غير قادح في قاعدة اعتبار القصد في كلّ فعل تعلّق به حكم شرعي بناءً على ثبوتها [/ هذه القاعدة]، و إن كان إقعادها في سائر الأفعال التي منها حيازة المباحات و تفرّق المجلس في الصرف لا يخلو من نظر. أمّا العبادات فلا إشكال في اعتبار القصد فيها؛ لعدم صدق الامتثال و الطاعة بدونه، و اعتبارهما في كلّ أمر صدر من الشارع معلوم بالعقل و النقل كتاباً و سنّة، بل ضرورة من الدين، بل لا يصدقان إلّا بالإتيان بالفعل بقصد امتثال الأمر فضلًا عن مطلق القصد؛ ضرورة عدم تشخّص الأفعال بالنسبة إلى ذلك عرفاً إلّا بالنيّة، فالخالي منها عن قصد الامتثال و الطاعة لا ينصرف إلى ما تعلّق به الأمر؛ إذ الأمر و العبثية فضلًا عن غيرها على حدّ سواء بالنسبة إليه و من هنا إذا كان الأمر متعدّداً توقّف صدق الامتثال على قصد التعيين؛ لعدم انصراف الفعل بدونه إلى أحدهما. و احتمال الاجتزاء بالإتيان بالفعل بقصد امتثال كلّي الأمر- فيكون كالأمر المتّحد بمأمور به متعدّد- يدفعه: أنّ العقل و النقل قد تطابقا على وجوب امتثال كلّ أمرٍ أمرٍ للشارع بخصوصه، و لا ريب في عدم صدق امتثال خصوص كلٍّ منهما في الفرض؛ لما عرفت من عدم انصراف الفعل بدون النيّة. و لذا لم يحكم به لأحدهما بالخصوص فيما لو أوقع الفعل مرّة واحدة لا ظاهراً و لا واقعاً. نعم لو فهم من الأدلّة عدم إرادة الخصوصيّة من التعدّد، و أنّه كالأمر المتّحد بتكرار الفعل لم يحتج في الامتثال حينئذٍ إلى أزيد من قصد الفعل بعنوان الامتثال.
(٣) [كما اتضح] من ذلك [/ ما تقدّم] كلّه.
(٤) نعم قيل: الظاهر عدم كفاية الاتحاد واقعاً فيه [/ في صدق الامتثال] مع التعدّد بزعم المكلّف جهلًا أو نسياناً أو عصياناً؛ لعدم صدق الامتثال عرفاً لو أوقعه مردّداً أو بعنوان ما زعمه من الأمر ( [١]). و تسمع تحقيق الحال فيه إن شاء اللّٰه عن قريب. و على كلّ حال، فلا إشكال في اعتبار قصد الامتثال و التعيين [في صحة العبادة] على الوجه الذي ذكرناه، و الظاهر أنّ الأوّل هو مراد الأصحاب بنيّة القربة التي لا خلاف معتدّ به في وجوبها.
[١] حاشية المدارك ٣: ٨.