جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٠١ - أحكام الأذان
منهم قبل مجيء الإمام [١].
-
(١) لإطلاق الأدلّة السالم عن المعارض. فحينئذٍ لا بأس بما ذكره المصنّف و غيره من جواز تعدّد المؤذّنين دفعةً و مترتّبين، و لا داعي إلى حمله على خصوص الإعلام. و ما يحكى عن الشيخ أبي عليّ نجل الشيخ الطوسي في شرح نهاية والده- من الإجماع على أنّ الزائد على اثنين بدعة ( [١])- يقوى في الظنّ إرادته ما ذكره والده في الخلاف من إجماع الفرقة على ما رووه ( [٢]) من أنّ الأذان الثالث بدعة، قال: «فدلّ ذلك على جواز اثنين، و المنع عمّا زاد» ( [٣]). و فيه: ١- أنّ مثل ما نحن فيه لا يعدّ ثالثاً كما اعترف به في جامع المقاصد ( [٤])؛ ضرورة كون تكراره باعتبار تعدّد المكلّفين، فكلُّ منهم يؤذّن لصلاته، لا أنّه أذان متعدّد لصلاة واحدة، فإنّ الثاني حينئذٍ بدعة فضلًا عن الثالث. ٢- على أنّ الخبر المزبور مشارٌ به إلى بدعة مخصوصة من تعدّد الأذان لصلاة الجمعة، و قد تقدّم تمام البحث فيه عند الكلام في الجمع بين الفرضين، و يأتي إن شاء اللّٰه زيادة عليه في الجمعة، و على كلّ حال فهو غير ما نحن فيه. ٣- و لو سلّم أنّ المراد بإجماع أبي عليّ ما نحن فيه، ففيه: أنّ التتبّع يشهد بخلافه؛ إذ لم نجد له موافقاً عليه سوى ما سمعته من الخلاف، مع أنّه في المحكي عن المبسوط قال: «إنّه لا بأس أن يؤذّن جماعة كلّ واحد منهم في زاوية المسجد؛ لأنّه لا مانع منه»، لكن قال أيضاً: «يجوز أن يكون المؤذّنون اثنين اثنين إذا أذّنوا في موضع واحد؛ فإنّه أذان واحد» ( [٥]). و ربّما قيل ( [٦]):
إنّ مجموعهما [/ كلامي المبسوط] يعطي اشتراط تعدّد المحلّ في الزائد على اثنين، بخلافهما. إلّا أنّه على كلّ حال خلاف ما سمعته منه في الخلاف و من المحكي عن ولده اللذين لم نعرف مخالفاً سواهما، فدعوى الاجماع حينئذٍ في غاية الغرابة، فلا ريب حينئذٍ في الجواز. لكن في المدارك: «أنّ المعتمد كراهة الاجتماع في الأذان مطلقاً؛ لعدم الورود من الشرع، و كذا إذا أذّن الواحد بعد الواحد في المحلّ الواحد، أمّا مع اختلاف المحلّ وسعة الوقت بمعنى عدم اجتماع الأمر المطلوب في الجماعة من الإمام و من يعتاد حضوره من المأمومين فلا مانع منه، بل الظاهر استحبابه؛ لعموم الأدلّة» ( [٧]). و لا يخفى عليك ما فيه، فإنّ عدم الورود لا يصلح دليلًا للكراهة. كما أنّه لم نعثر على ما يدلّ على ما ذكره المصنّف و الفاضل ( [٨]) و غيرهما من أفضليّة الترتيب مع سعة الوقت، نعم علِّل بأنّه تكرير للإعلام أو إعلام لمن لم يسمع السابق و بنحو ذلك ممّا هو كما ترى. بل عن المبسوط: «فأمّا أذان واحد بعد الآخر فليس بمسنون» ( [٥]). و احتمال إرادته من ذلك التراسل فيكون غير ما نحن فيه في غاية البعد، سيّما مع قوله في الخلاف: إنّ الاجتماع أفضل ( [٣])، بل قيل ( [٦]): إنّه حكى الإجماع عليه فيه، و إن كنت لم أتحقّقه فيما حضرني من نسخته. و في كشف اللثام: «و لعلّه لكون الوحدة أظهر، و ليجتمع شهادة عدلين بالوقت، و لأنّ الترتيب ربّما يشوّش على السامعين» ( [١٢]). و على كلّ حال فالمراد باتساع الوقت- كما في جامع المقاصد ( [٤]) و غيره- عدم اجتماع تمام المطلوب في الجماعة- كانتظار الإمام و المأمومين الذين يعتاد حضورهم- لا المعنى المتعارف، فإنّ تأخير الصلاة عن أوّل وقتها لأمر غير موظّف مستبعد. قيل ( [١٤]): و نحو ذلك تحصيل ساتر أو طهارة حدثية أو خبثية و ما أشبهها. قلت: لكن ينبغي تقييد ذلك كلّه- كما في المسالك ( [١٤])- بما إذا لم يفت وقت الفضيلة؛ ضرورة أهمية وقوع الصلاة فيه من غيره، و اللّٰه أعلم.
[١] نقله في الذكرى ٣: ٢٢١.
[٢] الوسائل ٧: ٤٠٠، ب ٤٩ من صلاة الجمعة، ح ١.
[٣] الخلاف ١: ٢٩٠.
[٤] جامع المقاصد ٢: ١٧٨.
[٥] المبسوط ١: ٩٨.
[٦] مفتاح الكرامة ٢: ٢٧٧.
[٧] المدارك ٣: ٢٩٨.
[٨] الارشاد ١: ٢٥١.
[١٢] كشف اللثام ٣: ٣٧١.
[١٤] المسالك ١: ١٩٢.