جواهر الأصول - تقريرات - المرتضوي اللنگرودي، محمد حسن - الصفحة ٤٩٧ - ما يعتبر في صحّة النسخ
إلّا إكرام أفراد قليلة، يكون مستهجناً [١]!! هذا كلّه في ماهية النسخ ثبوتاً.
[١]- قلت: يعجبني- تتميماً للفائدة- الإشارة الإجمالية إلى دفع ما حكي عن اليهود و النصارى في استحالة النسخ، و إثبات إمكانه و وقوعه، و قد اقتبسناه ممّا أفاده بعض الأساطين- دام ظلّه- في محاضراته، و حاصله: أنّ النسخ عبارة عن ارتفاع الحكم و انتهاء أمد الحكم المجعول في الشريعة، و لا إشكال و لا كلام في إمكانه و وقوعه في الشريعة المقدّسة، كما هو المعروف و المشهور بين المسلمين.
و حكي عن اليهود و النصارى استحالة النسخ، و تشبّثوا في ذلك بشبهة حاصلها: أنّ النسخ يستلزم أحد محذورين لا يمكن الالتزام بشيء منهما: إمّا عدم حكمة الناسخ، أو جهله بها، و كلاهما مستحيل في حقّه تعالى؛ لأنّ جعل الأحكام و تشريعها منه تعالى، لا بدّ و أن يكون على طبق الحِكَم و المصالح الكامنة في متعلّقاتها؛ ضرورة أنّ جعل الحكم بلا مصلحة جزاف ينافي حكمته تعالى، فلا يمكن صدوره منه تعالى، فإذن رفع الحكم الثابت لموضوعه، إمّا أن يكون مع بقاء الموضوع على ما هو عليه من المصلحة و المفسدة و علم الناسخ بها، أو يكون من جهة البداء و كشف الحال، كما يقع ذلك غالباً في الأحكام و القوانين العرفية العالمية، و لا ثالث لهما:
و على الأوّل: يلزم أن يكون رفع الحكم جزافياً، و هو منافٍ لحكمته المطلقة، و يستحيل صدوره منه تعالى.
و على الثاني: يلزم الجهل في حقّه تعالى، و هو أيضاً محال.
فظهر: أنّ وقوع النسخ في الشريعة- لاستلزامه المحال- محال في حقّه تعالى.
و لكن يجاب عن الإشكال: بأنّ النسخ- كما أشرنا عبارة عن ارتفاع الحكم و انتهاء أمده، فمن الممكن أن تكون المصلحة المقتضية لجعله، منتهية إلى ذلك الزمان، فلا مصلحة فيه بعد ذلك، فعليه يكون الحكم المجعول على طبق المصلحة ثبوتاً، مقيّداً بذلك الزمان الخاصّ المعلوم عند اللَّه تعالى المجهول عند الناس.
و بالجملة: لا شبهة في دخالة الخصوصيات الزمانية و المكانية أو نفس الزمان- كأوقات الصلاة، و الصيام، و الحجّ، و ما شاكل ذلك- في ملاكات الأحكام؛ و أنّها تختلف باختلاف تلك الخصوصيات، فإذا صحّ ذلك كما هو أوضح من أن يخفى، فلتكن دخيلة في استقرارها و عدمها؛ ضرورة أنّه لا مانع من أن يكون الفعل، مشتملًا على مصلحة في مدّة معيّنة؛ و في قطعة خاصّة من الزمان، فلا يكون مشتملًا عليها بعد انتهاء تلك المدّة، فعلى هذا يصحّ أن يقال- على عكس مقالهم-: إنّه على هذا لا يعقل جعل الشارع الحكم الكذائي على نحو الإطلاق؛ لكونه جزافياً و بلا ملاك.
فتحصّل: أنّ النسخ في الواقع و نفس الأمر، انتهاء أمد الحكم بانتهاء المصلحة عند ذاك، فهو في الحقيقة دفع و إن كان بحسب مقام الإثبات و إطلاق الدليل من حيث الزمان رفعاً، و لا يلزم منه أيّ محذور من خلاف الحكمة أو كشف الخلاف المستحيلين في حقّه تعالى. هذا بناءً على مذهب العدلية من تبعية الأحكام للمصالح و المفاسد في متعلّقاتها.
و أمّا بناءً على مذهب من يرى تبعية الأحكام لمصالح في نفس الأمر و النهي، فالأمر كذلك أيضاً؛ فإنّ المصلحة الكامنة في نفس الحكم تارة: تقتضي جعل الحكم على نحو الإطلاق و الدوام في الواقع، و اخرى: جعله في زمان خاصّ و وقت مخصوص، فلا محالة ينتهي بانتهاء ذلك الوقت.
فتحصّل: أنّه لا ينبغي الشكّ في إمكان النسخ بل وقوعه في الشريعة المقدّسة على كلا المذهبين، كمسألة القبلة و نحوها. [المقرّر حفظه اللَّه]