جواهر الأصول - تقريرات - المرتضوي اللنگرودي، محمد حسن - الصفحة ٤٧٧ - تحديد محلّ النزاع
و لكن يظهر من بعض الأكابر [١]، و شيخنا العلّامة الحائري ٠ أنّ الكلام في تخصيص العامّ بالمفهوم المخالف عند القدماء في الحقيقة، هو الكلام بين المطلق و المقيّد، و حكمه- بعد إحراز وحدة الحكم- هو حمل المطلق على المقيّد.
و قد أوضحه بعض الأكابر (قدس سره) بما حاصله: أنّ المستفاد من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):
«خلق اللَّه الماء طهوراً لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه و طعمه»
[٢]، هو أنّ تمام الموضوع لعدم التنجّس، هو عنوان الماء، و لا دخالة لقيد آخر في هذا الحكم، و يستفاد من قوله (عليه السلام):
«إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء»
[٣]، أنّ الماء بقيد الكرّية موضوع لعدم التنجّس، و لأجل ذلك يستفاد منه المفهوم، و مفاده أنّ عنوان الماء جزء الموضوع، و جزؤه الآخر عبارة عن الكرّية، فالتعارض بين الدليلين تعارض الإطلاق و التقييد، و حيث إنّ ظهور القيد في كونه دخيلًا أقوى من ظهور المطلق في مفاده، فلا محالة يحمل المطلق على المقيّد [٤].
و أنت خبير: بأنّ ما افيد خروج عن محطّ البحث و عنوانه بلا دليل [٥]؛ لأنّ محطّ
[١]- قلت: عنى به استاذنا الأعظم البروجردي (قدس سره). [المقرّر حفظه اللَّه]
[٢]- المعتبر ١: ٤١، وسائل الشيعة ١: ١٣٥، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب ١، الحديث ٩.
[٣]- راجع وسائل الشيعة ١: ١٥٨، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب ٩، الحديث ١ و ٢ و ٦.
[٤]- لمحات الاصول: ٣٦٠، نهاية الاصول: ٣٥٩- ٣٦٠.
[٥]- قلت: قد أشرنا إلى ما هو الظاهر من مقالة سماحة الاستاذ (قدس سره) و لعلّه (قدس سره) أراد بيان أنّه كلّما وقع التعارض بين العامّ و ما له المفهوم المخالف- كالمثالين في المتن؛ حيث وقع التعارض بين عدم تنجّس الماء بملاقاة النجاسة مطلقاً، كما هو مفاد العامّ، و بين تنجّسه بالملاقاة إذا كان الماء قليلًا، كما هو مفاد المفهوم- فالتعارض أوّلًا و بالذات بين العامّ و منطوقه؛ حيث إنّ المستفاد من العامّ أنّ تمام الموضوع لعدم التنجّس، هو حيثية المائية، و المستفاد من المنطوق أنّ حيثية المائية، جزء الموضوع، و جزؤه الآخر عنوان الكرّية؛ من باب ظهور القيد الزائد بما أنّه فعل اختياري، فلا بدّ من رفع التعارض في تلك المرحلة، و واضح أنّ التعارض من باب تعارض المطلق و المقيّد، و حيث إنّ ظهور القيد في كونه دخيلًا أقوى من ظهور المطلق في كونه تمام الموضوع، فلا محالة يحمل المطلق على المقيّد، و مقتضاه تقديم ما له المفهوم على العامّ، فعلى هذا لا تكون مقالته (قدس سره) أجنبية عن المقام، و خارجة عن محطّ البحث، كما أفاده سماحة الاستاذ- دام ظلّه-.
و الذي يتوجّه عليه (قدس سره): هو أنّ غاية ما يقتضيه أخذ القيد بما أنّه فعل اختياري، دخالته في ترتّب الحكم على الموضوع، و أين هذا من إثبات المفهوم؟! فلا بدّ أن ينضمّ إليه كون القيد علّة منحصرة، و الكلام بعد في ثبوت ما له المفهوم حال المقابلة مع العامّ؛ و إن كان له مفهوم لو خلّي و طبعه، فالتعارض بين العامّ و دلالة الجملة الشرطية، و لذا يختلف الحال بين استفادة العموم و المفهوم من ناحية الوضع، أو مقدّمات الحكمة، كما سنشير إليه، لا بين العامّ و المفهوم الأخصّ منه أو الأعمّ منه من وجه حتّى يقال: كيف وقع الخلاف هنا في تقديم العامّ على المفهوم المخالف، مع اتفاقهم على تقديم الخاصّ على العامّ لو كانت النسبة بين الدليلين عموماً مطلقاً، و أخذهم بما هو الأرجح لو كانت النسبة بينهما عموماً من وجه؟! نعم مقتضى انحصار القيد استفادة المفهوم، و المفهوم تارة: يكون أخصّ من العامّ، و اخرى: أعمّ.
هذا ما تيسّر لي عجالة في فهم مقالة سماحة استاذنا الأعظم البروجردي (قدس سره) و إشكال سماحة الاستاذ- دام ظلّه- فتدبّر، و اللَّه العالم بحقيقة المقال. [المقرّر حفظه اللَّه]