بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٤٩ - هل يجب على المتمتع أن يأكل من هديه؟
هذا ولكن هناك وجوه ثلاثة يمكن الاستدلال بها على عدم الوجوب، فإن تمت أو تم أحدها اقتضى ذلك رفع اليد عن ظهور صحيحة معاوية في الوجوب وكونه هو المراد بالأمر بالأكل في الآية المباركة، وتلك الوجوه هي ..
(الوجه الأول): صحيحة سيف التمار [١] قال: قال أبو عبد الله ٧: ((إن سعد بن عبد الملك قدم حاجاً فلقي أبي، فقال: إني سقت هدياً فكيف أصنع؟ فقال له أبي: أطعم أهلك ثلثاً، وأطعم القانع والمعتر ثلثاً، وأطعم المساكين ثلثاً)) .
ووجه الاستدلال بها هو أن موردها وإن كان هو هدي القِران إلا أن الظاهر أن حكم هدي التمتع لا يختلف عن حكمه من حيث وجوب الأكل أو عدم وجوبه، ولا قائل بالتفريق بينهما في ذلك.
وبناءً عليه يمكن أن يقال: إن الأمر بإطعام الأهل ثلث الهدي ـ في مقابل إطعام القانع والمعتر وإطعام المساكين الثلثين الآخرين ـ ليس للوجوب قطعاً، إذ لا يحتمل أن يجب على الحاج أن يطعم أهله ثلث الهدي ولا قائل به من الفقهاء [٢] ، بل أقصى ما يحتمل هو أن يجب أن يأكل هو بعض الشيء من ثلث
[١] تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٢٢٣. معاني الأخبار ص:٢٠٨.
[٢] وبذلك يظهر أنه لا مجال للاستدلال على وجوب الأكل من الهدي بصحيحة شعيب العقرقوفي، قال: قلت لأبي عبد الله ٧: سقت في العمرة بدنة أين أنحرها؟ قال: ((بمكة)) ، قلت: أي شيء أعطي منها؟ قال: ((كل ثلثاً واهدي ثلثاً وتصدق بثلث)) (الكافي ج:٤ ص:٤٨٨)، فإنه لا ريب في أن الأمر بالأكل في هذه الرواية ليس للوجوب، إذ لا يجب أن يأكل الحاج ثلث هديه حتى لو فرض أن المراد به هو أن يأكله هو وعائلته، فإنه لا ملزم لذلك يقيناً، بل أقصاه الجواز أو الاستحباب.
وليس هو من جهة ما دل على أن النبي ٦ إنما أمر أن يؤخذ من كل بدنة جذوة لحم للطبخ والأكل لا ثلثها بتمامه فيقال: إنه يدل على عدم وجوب أكل الثلث، ليناقش بأن النبي ٦ كان قد أهدى عدداً كبيراً من البدن، وعدم وجوب أكل الثلث في مثله لا يقتضي عدم وجوب ذلك في الهدي الواحد.
وبالجملة: ليس في ما صنعه ٦ شهادة على عدم وجوب أن يأكل الحاج ثلث هديه إذا كان واحداً، ولكن هذا أمر مقطوع به من جهة السيرة العملية القطعية، حيث لم يكن دأب الحجاج في عصر المعصومين : على الاحتفاظ بثلث الهدي لأنفسهم ليأكلوا منه بل الظاهر أنه لم يكن يتيسر ذلك في البدن إلا مع تقديد قسم من لحمها وادّخاره ليؤكل لاحقاً، ولم يكن يتسع الوقت لقيام الحجاج بذلك في منى، فليتأمل.