بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٤٤ - هل يجب على المتمتع أن يأكل من هديه؟
فيه أنه للفقراء فقد تأبى النفوس المستعلية عن الإقدام على الأكل منه تعففاً عن مشاركة الفقراء، والأمر في مثل هذا المقام لا ظهور له في الوجوب، بل هو ظاهر في عدم المنع عن مشاركة الفقراء في مأكلهم.
ويلاحظ عليه بأنه لا شاهد على أن الهدي مما لوحظ فيه كونه للفقراء، وإنما هو ـ كما مرّ نقله عن المعاجم اللغوية ـ اسم لما يهدى إلى الكعبة المعظمة أو مكة المكرمة أو الحرم المكي من الأنعام الثلاثة، بما لهذه الأماكن من الانتساب إلى الله تعالى، وأقصى ما يقتضيه ذلك هو أن يترك لمن يشاء أن يأكل منه من عباد الله ومخلوقاته حتى الحيوانات، وأما لحاظ كونه للفقراء خاصة فهو مما لا دليل عليه، وعلى ذلك فلا مجال للمنع من دلالة الأمر بالأكل على الوجوب من الجهة المذكورة، نعم تقدم أن مقتضى المرتكزات أن لا يأكل صاحب الهدي من هديه، لأنه يقدمه لله تعالى، فكأنه يخرج عن ملكه وما يحق له التصرف فيه، وهذا أمر آخر. وعلى أساسه يمكن المنع من ظهور الآية الكريمة في وجوب الأكل، ولكن يمكن حملها عليه بقرينة خارجية كصحيحة معاوية بن عمار.
(الوجه الثاني): أن الأمر بالأكل ورد في آيتين مباركتين من سورة الحج ..
أما الأولى فهي مسوقة لبيان ما يترتب على الحج من الآثار الدنيوية والأخروية، حيث قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، ولا دلالة لها على وجوب الأكل مما يتم ذبحه أو نحره من بهيمة الأنعام بل مجرد أن الأكل منها وإطعام البائس الفقير من الآثار والفوائد المترتبة على الخروج إلى الحج والحضور في موسمه.
وأما الثانية فقد ورد الأمر فيها بالأكل معلّقاً على سقوط البدنة على الأرض حيث قال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، وهي بذلك إنما تدل على أن وقت الأكل من البدنة إنما هو بعد خروج الروح من بدنها، أي أنها مسوقة لبيان شرطية خروج الروح في جواز الأكل والإطعام، ولا دلالة فيها على وجوب الأكل تكليفاً.