البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٢ - الملك الفائز
الملك الأشرف بن العادل. و فيها نافق الأمير عماد الدين بن المشطوب على الملك الأشرف و كان قد آواه و حفظه من أذى أخيه الكامل حين أراد أن يبايع للفائز، ثم إنه سعى في الأرض فسادا في بلاد الجزيرة فسجنه الأشرف حتى مات كمدا و ذلا و عذابا. و فيها أوقع الكامل بالفرنج الذين على دمياط بأسا شديدا فقتل منهم عشرة آلاف، و أخذ منهم خيولهم و أموالهم و للَّه الحمد.
و فيها عزل المعظم المعتمد مفاخر الدين إبراهيم عن ولاية دمشق و ولاها للعزيز خليل، و لما خرج الحاج إلى مكة شرفها اللَّه تعالى كان أميرهم المعتمد فحصل به خير كثير، و ذلك أنه كف عبيد مكة عن نهب الحجاج بعد قتلهم أمير حاج العراقيين أقباش الناصري، و كان من أكبر الأمراء عند الخليفة الناصر و أخصهم عنده، و ذلك لأنه قدم معه بخلع للأمير حسين بن أبى عزيز قتادة بن إدريس ابن مطاعن بن عبد الكريم العلويّ الحسنى الزيدي بولايته لامرة مكة بعد أبيه، و كانت وفاته في جمادى الأولى من هذه السنة، فنازع في ذلك راجح و هو أكبر أولاد قتادة، و قال لا يتأمر عليها غيري، فوقعت فتنة أفضى الحال إلى قتل أقباش غلطا، و قد كان قتادة من أكابر الاشراف الحسنيين الزيديين و كان عادلا منصفا منعما، نقمة على عبيد مكة و المفسدين بها، ثم عكس هذا السير فظلم و جدد المكوس و نهب الحاج غير مرة فسلط اللَّه عليه ولده حسنا فقتله و قتل عمه و أخاه أيضا، فلهذا لم يمهل اللَّه حسنا أيضا، بل سلبه الملك و شرده في البلاد، و قيل بل قتل كما ذكرنا، و كان قتادة شيخا طويلا مهيبا لا يخاف من أحد من الخلفاء و الملوك، و يرى أنه أحق بالأمر من كل أحد، و كان الخليفة بود لو حضر عنده فيكرمه، و كان يأبى من ذلك و يمتنع عنه أشد الامتناع، و لم يفد إلى أحد قط و لا ذل لخليفة و لا ملك، و كتب إليه الخليفة مرة يستدعيه فكتب إليه.
و لي كف ضرغام أذل ببطشها* * * و أشرى بها بين الورى و أبيع
تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها* * * و في بطنها للمجد بين ربيع
أ أجعلها تحت الرحى ثم أبتغي* * * خلاصا لها إني إذا لرقيع
و ما أنا إلا المسك في كل بقعة* * * يضوع و أما عندكم فيضيع
و قد بلغ من السنين سبعين سنة، و قد ذكر ابن الأثير وفاته في سنة ثماني عشرة فاللَّه أعلم.
و فيها توفى من الأعيان:
الملك الفائز
غياث الدين إبراهيم بن العادل، كان قد انتظم له الأمر في الملك بعد أبيه على الديار المصرية على يدي الأمير عماد الدين بن المشطوب، لو لا أن الكامل تدارك ذلك سريعا، ثم أرسله أخوه في هذه السنة إلى أخيهما الأشرف موسى يستحثه في سرعة المسير إليهم بسبب الفرنج، فمات بين سنجاب و الموصل، و قد ذكر أنه سم فرد إلى سنجاب فدفن بها (رحمه اللَّه تعالى).