البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٧ - جنكيزخان
ثم دخلت سنة أربع و عشرين و ستمائة
فيها كانت عامة أهل تفليس الكرج فجاءوا إليهم فدخلوها فقتلوا العامة و الخاصة، و نهبوا و سبوا و خربوا و أحرقوا، و خرجوا على حمية، و بلغ ذلك جلال الدين فسار سريعا ليدركهم فلم يدركهم.
و فيها قتلت الإسماعيلية أميرا كبيرا من نواب جلال الدين بن خوارزم شاه، فسار إلى بلادهم فقتل منهم خلقا كثيرا، و خرب مدينتهم و سبى ذراريهم و نهب أموالهم، و قد كانوا قبحهم اللَّه من أكبر العون على المسلمين، لما قدم التتار إلى الناس، و كانوا أضر على الناس منهم.
و فيها تواقع جلال الدين و طائفة كبيرة من التتار فهزمهم و أوسعهم قتلا و أسرا، و ساق وراءهم أياما فقتلهم حتى وصل إلى الري فبلغه أن طائفة قد جاءوا لقصده فأقام يثبطهم، و كان من أمره و أمرهم ما سيأتي في سنة خمس و عشرين. و فيها دخلت عساكر الملك الأشرف بن العادل إلى أذربيجان فملكوا منها مدنا كثيرة و غنموا أموالا جزيلة، و خرجوا معهم بزوجة جلال الدين بنت طغرل، و كانت تبغضه و تعاديه، فأزلوها مدينة خلاط و سيأتي ما كان من خبرهم في السنة الآتية. و فيها قدم رسول الانبور ملك الفرنج في البحر إلى المعظم يطلب منه ما كان فتحه عمه السلطان الملك الناصر صلاح الدين من بلاد السواحل، فأغلظ لهم المعظم في الجواب و قال له: قل لصاحبك ما عندي إلا السيف و اللَّه أعلم.
و فيها جهز الأشرف أخاه شهاب الدين غازى إلى الحج في محمل عظيم يحمل ثقله ستمائة جمل، و معه خمسون هجينا، على كل هجين مملوك، فسار من ناحية العراق و جاءته هدايا من الخليفة إلى أثناء الطريق، و عاد على طريقه التي حج منها. و فيها ولى قضاء القضاة ببغداد نجم الدين أبو المعالي عبد الرحمن بن مقبل الواسطي، و خلع عليه كما هي عادة الحكام، و كان يوما مشهودا. و فيها كان غلاء شديد ببلاد الجزيرة و قل اللحم حتى حكى ابن الأثير أنه لم يذبح بمدينة الموصل في بعض الأيام سوى خروف واحد في زمن الربيع، قال: و سقط فيها عاشر أذار ثلج كثير بالجزيرة و العراق مرتين فأهلك الأزهار و غيرها، قال: و هذا شيء لم يعهد مثله، و العجب كل العجب من العراق مع كثرة حره كيف وقع فيه مثل هذا.
و ممن توفى فيها من الأعيان
جنكيزخان
السلطان الأعظم عند التتار والد ملوكهم اليوم، ينتسبون إليه و من عظم القان إنما يريد هذا الملك و هو الّذي وضع لهم السياسا [١] التي يتحاكمون إليها، و يحكمون بها، و أكثرها مخالف لشرائع اللَّه تعالى و كتبه، و هو شيء اقترحه من عند نفسه، و تبعوه في ذلك، و كانت تزعم أمه أنها حملته من شعاع الشمس، فلهذا لا يعرف له أب، و الظاهر أنه مجهول النسب، و قد رأيت مجلدا جمعه الوزير
[١] السياسا: مركبة من «سى» بمعنى ثلاثة. و «يسا» بمعنى الترتيب، ثم حرفها العرب فقالوا: سياسة.