البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٨ - ثم دخلت سنة ثمان و خمسين و ستمائة
و هو النجيب أبو الفتح نصر اللَّه بن أبى طالب الشيباني، مشهورا بالكذب ورقة الدين و غير ذلك، و هو أحد الشهود المقدوح فيهم، و لم يكن بأهل أن يؤخذ عنه، قال و قد أجلسه أحمد بن يحيى الملقب بالصدر ابن سنى الدولة في حال ولايته القضاء بدمشق، فأنشد فيه بعض الشعراء:
جلس الشعيشعة الشقي ليشهدا* * * تبا لكم، ما ذا عدا فيما بدا؟
هل زلزل الزلزال؟ أم قد خرج الدجال* * * أم عدم الرجال ذوو الهدى؟
عجبا لمحلول العقيدة جاهل* * * بالشرع قد أذنوا له أن يقعدا
قال أبو شامة: في سنة سبع و خمسين و ستمائة مات شخص زنديق يتعاطى الفلسفة و النظر في علم الأوائل، و كان يسكن مدارس المسلمين، و قد أفسد عقائد جماعة من الشبان المشتغلين فيما بلغني، و كان أبوه يزعم أنه من تلامذة ابن خطيب الري الرازيّ صاحب المصنفات. حية ولد حية.
ثم دخلت سنة ثمان و خمسين و ستمائة
استهلت هذه السنة بيوم الخميس و ليس للناس خليفة، و ملك العراقين و خراسان و غيرها من بلاد المشرق للسلطان هولاكوخان ملك التتار، و سلطان ديار مصر الملك المظفر سيف الدين قطز، مملوك المعز أيبك التركماني، و سلطان دمشق و حلب الملك الناصر بن العزيز بن الظاهر، و بلاد الكرك و الشوبك للملك المغيث بن العادل بن الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب، و هو حرب مع الناصر صاحب دمشق على المصريين، و معهما الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، و قد عزموا على قتال المصريين و أخذ مصر منهم. و بينما الناس على هذه الحال و قد تواترت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام إذ دخل جيش المغول صحبة ملكهم هولاكوخان و جازوا الفرات على جسور عملوها، و وصلوا إلى حلب في ثانى صفر من هذه السنة، فحاصروها سبعة أيام ثم افتتحوها بالأمان، ثم غدروا بأهلها و قتلوا منهم خلقا لا يعلمهم إلا اللَّه عز و جل، و نهبوا الأموال، و سبوا النساء و الأطفال، و جرى عليهم قريب مما جرى على أهل بغداد، فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و امتنعت عليهم القلعة شهرا ثم استلموها بالأمان، و خرب أسوار البلد و أسوار القلعة و بقيت حلب كأنها حمار أجرب، و كان نائبها الملك المعظم توران شاه بن صلاح الدين و كان عاقلا حازما، لكنه لم يوافقه الجيش على القتال، وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً. و قد كان أرسل هولاكو يقول لأهل حلب: نحن إنما جئنا لقتال الملك الناصر بدمشق، فاجعلوا لنا عندكم شحنة، فان كانت النصرة لنا فالبلاد كلها في حكمنا، و إن كانت علينا فان شئتم قبلتم الشحنة و إن شئتم أطلقتموه. فأجابوه مالك عندنا إلا السيف، فتعجب من ضعفهم و جوابهم، فزحف حينئذ إليهم و أحاط بالبلد، و كان ما كان بقدر اللَّه سبحانه. و لما فتحت حلب أرسل صاحب حماه بمفاتيحها إلى هولاكو، فاستناب عليها