البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٩ - ثم دخلت سنة سبع و سبعين و ستمائة
و الرياض و الأذكار و التبيان، و تحرير التنبيه و تصحيحه، و تهذيب الأسماء و اللغات، و طبقات الفقهاء و غير ذلك. و مما لم يتممه و لو كمل لم يكن له نظير في بابه: شرح المهذب الّذي سماه المجموع، وصل فيه إلى كتاب الربا، فأبدع فيه و أجاد و أفاد، و أحسن الانتقاد، و حرر الفقه فيه في المذهب و غيره، و حرر الحديث على ما ينبغي، و الغريب و اللغة و أشياء مهمة لا توجد إلا فيه، و قد جعله نخبة على ما عن له و لا أعرف في كتب الفقه أحسن منه، على أنه محتاج إلى أشياء كثيرة تزاد فيه و تضاف إليه، و قد كان من الزهادة و العبادة و الورع و التحري و الانجماح عن الناس على جانب كبير، لا يقدر عليه أحد من الفقهاء غيره، و كان يصوم الدهر و لا يجمع بين إدامين، و كان غالب قوته مما يحمله إليه أبوه من نوى، و قد باشر تدريس الاقبالية نيابة عن ابن خلكان، و كذلك ناب في الفلكية و الركنية، و ولى مشيخة دار الحديث الأشرفية، و كان لا يضيع شيئا من أوقاته، و حج في مدة إقامته بدمشق، و كان يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر للملوك و غيرهم. توفى في ليلة أربع و عشرين من رجب من هذه السنة بنوى، و دفن هناك (رحمه اللَّه) و عفا عنا و عنه.
على بن على بن أسفنديار
نجم الدين الواعظ بجامع دمشق أيام السبوت في الأشهر الثلاثة، و كان شيخ الخانقاه المجاهدية و بها توفى في هذه السنة، و كان فاضلا بارعا، و كان جده يكتب الإنشاء للخليفة الناصر، و أصلهم من بوشنج. و من شعر نجم الدين هذا قوله:
إذا زار بالجثمان غيري فاننى* * * أزور مع الساعات ربعك بالقلب
و ما كل ناء عن ديار بنازح* * * و لا كل دان في الحقيقة ذو قرب
ثم دخلت سنة سبع و سبعين و ستمائة
كان أولها يوم الأربعاء و كان الخليفة الحاكم بأمر اللَّه العباسي، و سلطان البلاد شاما و مصرا و حلبا الملك السعيد. و في أوائل المحرم اشتهر بدمشق ولاية ابن خلكان قضاء دمشق عودا على بدء في أواخر ذي الحجة، بعد عزل سبع سنين، فامتنع القاضي عز الدين بن الصائغ من الحكم في سادس المحرم و خرج الناس لتلقى ابن خلكان، فمنهم من وصل إلى الرملة و كان دخوله في يوم الخميس الثالث و العشرين من المحرم، فخرج نائب السلطنة عز الدين أيدمر بجميع الأمراء و المواكب لتلقيه، و فرح الناس بذلك، و مدحه الشعراء، و أنشد الفقيه شمس الدين محمد بن جعفر:
لما تولى قضاء الشام حاكمه* * * قاضى القضاة أبو العباس ذو الكرم
من بعد سبع شداد قال خادمه* * * ذا العام فيه يغاث الناس بالنعم
و قال سعد اللَّه بن مروان الفارقيّ: