البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٢ - ثم دخلت سنة إحدى و أربعين و ستمائة
السلطان الملك الأشرف (رحمه اللَّه) و في ليلة وفاتها كانت وقفت مدرستها و تربتها بالجبل قاله أبو شامة:
و دفنت بها (رحمها اللَّه تعالى) و تقبل منها.
ثم دخلت سنة إحدى و أربعين و ستمائة
فيها ترددت الرسل بين الصالح أيوب صاحب مصر و بين عمه الصالح إسماعيل صاحب دمشق، على أن يرد إليه ولده المغيث عمر بن الصالح أيوب المعتقل في قلعة دمشق، و تستقر دمشق في يد الصالح إسماعيل، فوقع الصلح على ذلك، و خطب للصالح أيوب بدمشق، فخاف الوزير أمين الدولة أبو الحسن غزال المسلماني، وزير الصالح إسماعيل من غائلة هذا الأمر، فقال لمخدومه: لا ترد هذا الغلام لأبيه تخرج البلاد من يدك، هذا خاتم سليمان بيدك للبلاد، فعند ذلك أبطل ما كان وقع من الصلح و رد الغلام إلى القلعة، و قطعت الخطبة للصالح أيوب، و وقعت الوحشة بين الملكين، و أرسل الصالح أيوب إلى الخوارزمية يستحضرهم لحصار دمشق ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و كانت الخوارزمية قد فتحوا في هذه السنة بلاد الروم و أخذوها من أيدي ملكها ابن علاء الدين، و كان قليل العقل يلعب بالكلاب و السباع، و يسلطها على الناس، فاتفق أنه عضه سبع فمات فتغلبوا على البلاد حينئذ.
و فيها احتيط على أعوان القاضي الرفيع الجيلي، و ضرب بعضهم بالمقارع، و صودروا و رسم على القاضي الرفيع بالمدرسة المقدمية داخل باب الفراديس، ثم أخرج ليلا و ذهب به فسجن بمغارة أفقه من نواحي البقاع، ثم انقطع خبره. و ذكر أبو شامة أنه توفى، و منهم من قال إنه ألقى من شاهق، و منهم من قال خنق، و ذلك كله بذي الحجة من هذه السنة. و في يوم الجمعة الخامس و العشرين منه قرئ منشور ولاية القضاء بدمشق لمحى الدين بن محمد بن على بن محمد بن يحيى القرشي، بالشباك الكمالي من الجامع، كذا قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة. و زعم السبط أن عزله إنما كان في السنة الآتية، و ذكر أن سبب هلاكه أنه كتب إلى الملك الصالح يقول له: إنه قد أورد إلى خزانته من الأموال ألف ألف دينار من أموال الناس. فأنكر الصالح ذلك، و رد عليه الجواب أنه لم يرد سوى ألف ألف درهم، فأرسل القاضي يقول فأنا أحاقق الوزير، و كان الصالح لا يخالف الوزير، فأشار حينئذ على الصالح فعزله لتبرأ ساحة السلطان من شناعات الناس، فعزله و كان من أمره ما كان.
و فوض أمر مدارسه إلى الشيخ تقى الدين ابن الصلاح فعين العادلية للكمال التفليسي، و العذراوية لمحى الدين بن الزكي الّذي ولى القضاء بعده، و الأمينية لابن عبد الكافي، و الشامية البرانية للتقى الحموي، و غيب القاضي الرفيع و أسقط عدالة شهوده، قال السبط: أرسله الأمين مع جماعة على بغل باكاف لبعض النصارى إلى مغارة أفقه في جبل لبنان من ناحية الساحل، فأقام بها أياما ثم أرسل إليه عدلين من بعلبكّ ليشهدا عليه ببيع أملاكه من أمين الدولة، فذكرا أنهما شاهداه و عليه