البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٧ - زين الأمناء الشيخ الصالح
فتعبد له تجد منه عتقا* * * و استدم فضله بطول الزهادة
و له:
إذا تعففت عن حرام* * * عوضت بالطيب الحلال
فاقنع تجد في الحرام حلا* * * فضلا من اللَّه ذي الجلال
ثم دخلت سنة سبع و عشرين و ستمائة
فيها كانت وقعة عظيمة بين الأشرف موسى بن العادل و بين جلال الدين بن خوارزم شاه، و كان سببها أن جلال الدين كان قد أخذ مدينة خلاط في الماضي و خربها و شرد أهلها، و حاربه علاء الدين كيقباد ملك الروم و أرسل إلى الأشرف يستحثه على القدوم عليه و لو جريدة وحده، فقدم الأشرف في طائفة كبيرة من عسكر دمشق، و انضاف إليهم عسكر بلاد الجزيرة و من تبقى من عسكر خلاط، فكانوا خمسة آلاف مقاتل، معهم العدة الكاملة، و الخيول الهائلة، فالتقوا مع جلال الدين بأذربيجان و هو في عشرين ألف مقاتل، فلم يقم لهم ساعة واحدة، و لا صبر فتقهقر و انهزم و اتبعوه على الأثر، و لم يزالوا في طلبهم إلى مدينة خوى و عاد الأشرف إلى مدينة خلاط فوجدها خاوية على عروشها، فمهدها [و أطدها، ثم تصالح و جلال الدين و عاد إلى مستقر ملكه حرسها اللَّه] [١] و فيها تسلم الأشرف قلعة بعلبكّ من الملك الأمجد بهرام شاه بعد حصار طويل، ثم استخلف على دمشق أخاه الصالح إسماعيل، ثم سار إلى الأشرف بسبب أن جلال الدين الخوارزمي استحوذ على بلاد خلاط و قتل من أهلها خلقا كثيرا و نهب أموالا كثيرة، فالتقى معه الأشرف و اقتتلوا قتالا عظيما فهزمه الأشرف هزيمة منكرة، و هلك من الخوارزمية خلق كثير، و دقت البشائر في البلاد فرحا بنصرة الأشرف على الخوارزمية، فإنهم كانوا لا يفتحون بلدا إلا قتلوا من فيه و نهبوا أموالهم، فكسرهم اللَّه تعالى. و قد كان الأشرف رأى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام قبل الوقعة و هو يقول له: يا موسى أنت منصور عليهم و لما فرغ من كسرتهم عاد إلى بلاد خلاط فرمم شعثها و أصلح ما كان فسد منها. و لم يحج أحد من أهل الشام في هذه السنة و لا في التي قبلها، و كذا فيما قبلها أيضا، فهذه ثلاث سنين لم يسر من الشام أحد إلى الحج. و فيها أخذت الفرنج جزيرة سورقة و قتلوا بها خلقا و أسروا آخرين، فقدموا بهم إلى الساحل فاستقبلهم المسلمون فأخبروا بما جرى عليهم من الفرنج.
و ممن توفى فيها من الأعيان
زين الأمناء الشيخ الصالح
أبو البركات ابن الحسن بن محمد بن الحسن بن هبة اللَّه بن زين الأمناء بن عساكر الدمشقيّ الشافعيّ، سمع على عميه الحافظ أبى القاسم و الصائن و غير واحد، و عمر و تفرد بالرواية و جاوز الثمانين
[١] زيادة من المصرية، و في التركية بياض.