البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٢ - وفاة الخليفة الظاهر و خلافة ابنه المستنصر
و أنا صغير و لم أر أحدا يدرس مثله، ثم صار إلى بلده سنة سبع عشرة، و مات في يوم الاثنين الرابع و العشرين من ربيع الآخر من هذه السنة عن سبع و أربعين سنة (رحمه اللَّه تعالى).
ثم دخلت سنة ثلاث و عشرين و ستمائة
فيها التقى الملك جلال الدين بن خوارزم شاه الخوارزمي مع الكرج فكسرهم كسرة عظيمة، و صمد إلى أكبر معاقلتهم تفليس ففتحها عنوة و قتل من فيها من الكفرة و سبى ذراريهم و لم يتعرض لأحد من المسلمين الذين كانوا بها، و استقر ملكه عليها، و قد كان الكرج أخذوها من المسلمين في سنة خمس عشرة و خمسمائة، و هي بأيديهم إلى الآن حتى استنقذها منهم جلال الدين هذا، فكان فتحا عظيما و للَّه المنة. و فيها سار إلى خلاط ليأخذها من نائب الملك الأشرف فلم يتمكن من أخذها و قاتله أهلها قتالا عظيما فرجع عنهم بسبب اشتغاله بعصيان نائبة بمدينة كرمان و خلافه له، فسار إليهم و تركهم. و فيها اصطلح الملك الأشرف مع أخيه المعظم و سار إليه إلى دمشق، و كان المعظم ممالئا عليه مع جلال الدين و صاحب إربل و صاحب ماردين و صاحب الروم، و كان مع الأشرف أخوه الكامل و صاحب الموصل بدر الدين لؤلؤ، ثم استمال أخاه المعظم إلى ناحيته يقوى جانبه. و فيها كان قتال كبير بين إبرنش أنطاكية و بين الأرمن، و جرت خطوب كثيرة بينهم و فيها أوقع الملك جلال الدين بالتركمان الايوانية بأسا شديدا، و كانوا يقطعون الطرق على المسلمين.
و فيها قدم محيي الدين يوسف بن الشيخ جمال الدين بن الجوزي من بغداد في الرسلية إلى الملك المعظم بدمشق، و معه الخلع و التشاريف لأولاد العادل من الخليفة الظاهر بأمر اللَّه، و مضمون الرسالة نهيه عن موالاة جلال الدين بن خوارزم شاه، فإنه خارجي من عزمه قتال الخليفة و أخذ بغداد منهم، فأجابه إلى ذلك و ركب القاضي محيي الدين بن الجوزي إلى الملك الكامل بالديار المصرية، و كان ذلك أول قدومه إلى الشام و مصر، و حصل له جوائز كثيرة من الملوك، منها كان بناء مدرسته الجوزية بالنشابين بدمشق. و فيها ولى تدريس الشبلية بالسفح شمس الدين محمد بن قزغلي سبط ابن الجوزي بمرسوم الملك المعظم، و حضر عنده أول يوم القضاة و الأعيان.
وفاة الخليفة الظاهر و خلافة ابنه المستنصر
كانت وفاة الخليفة (رحمه اللَّه) يوم الجمعة ضحى الثالث عشر من رجب من هذه السنة، أعنى سنة ثلاث و عشرين و ستمائة، و لم يعلم الناس بموته إلا بعد الصلاة، فدعا له الخطباء يومئذ على المنابر على عادتهم فكانت خلافته تسعة أشهر و أربعة عشر يوما، و عمره اثنتان و خمسون سنة، و كان من أجود بنى العباس و أحسنهم سيرة و سريرة، و أكثرهم عطاء و أحسنهم منظرا و رواء، و لو طالت مدته لصلحت الأمة صلاحا كثيرا على يديه، و لكن أحب اللَّه تقريبه و إزلافه لديه، فاختار له ما عنده و أجزل له إحسانا