البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٧ - الشيخ محمد الفقيه اليونينى
عليه لما ضاق على أهل البلد من أقواتهم، و إن امتنعوا من إيوائهم عندهم قاتلهم بأولئك المقاتلة الذين هم أهل البلد الّذي فتحه قبل ذلك، فان حصل الفتح و إلا كان قد أضعف أولئك بهؤلاء حتى يفنى تلك المقاتلة، فان حصل الفتح و إلا قاتلهم بجنده و أصحابه مع راحة أصحابه و تعب أهل البلد و ضعفهم حتى يفتحهم سريعا. و كان يبعث إلى الحصن يقول: إن ماءكم قد قل فنخشى أن نأخذكم عنوة فنقتلكم عن آخركم و نسبي نساءكم و أولادكم فما بقاؤكم بعد ذهاب مائكم، فافتحوا صلحا قبل أن نأخذكم قسرا فيقولون له: إن الماء عندنا كثير فلا نحتاج إلى ماء. فيقول لا أصدق حتى أبعث من عندي من يشرف عليه فان كان كثيرا انصرفت عنكم، فيقولون: ابعث من يشرف عليه، فيرسل رجالا من جيشه معهم رماح مجوفة محشوة سما، فإذا دخلوا الحصن الّذي قد أعياه ساطوا ذلك الماء بتلك الرماح على أنهم يفتشونه و يعرفون قدره، فينفتح ذلك السم و يستقر في ذلك الماء فيكون سبب هلاكهم و هم لا يشعرون لعنه اللَّه لعنة تدخل معه قبره. و كان شيخا كبيرا قد أسن و كان يميل إلى دين النصارى و لكن لا يمكنه الخروج من حكم جنكيزخان في الياساق.
قال الشيخ قطب الدين اليونينى: و قد رأيته ببعلبكّ حين حاصر قلعتها، و كان شيخا حسنا له لحية طويلة مسترسلة قد ضفرها مثل الدبوقة، و تارة يعلقها من خلفه باذنه، و كان مهيبا شديد السطوة، قال و قد دخل الجامع فصعد المنارة ليتأمل القلعة منها، ثم خرج من الباب الغربي فدخل دكانا خرابا فقضى حاجته و الناس ينظرون إليه و هو مكشوف العورة، فلما فرغ من حاجته مسحه بعض أصحابه بقطن ملبد مسحة واحدة. قال و لما بلغه خروج المظفر بالعساكر من مصر تلوم في أمره و حار ما ذا يفعل، ثم حملته نفسه الأبية على لقائه، و ظن أنه منصور على جاري عادته، فحمل يومئذ على الميسرة فكسرها ثم أيد اللَّه المسلمين و ثبتهم في المعركة فحملوا حملة صادقة على التتار فهزموهم هزيمة لا تجبر أبدا، و قتل أميرهم كتبغانوين في المعركة و أسر ابنه، و كان شابا حسنا، فأحضر بين يدي المظفر قطز فقال له أهرب أبوك؟ قال إنه لا يهرب، فطلبوه فوجدوه بين القتلى، فلما رآه ابنه صرخ و بكى، فلما تحققه المظفر سجد للَّه تعالى ثم قال: أنام طيبا. كان هذا سعادة التتار و بقتله ذهب سعدهم، و هكذا كان كما قال و لم يفلحوا بعده أبدا، و كان قتله يوم الجمعة الخامس و العشرين من رمضان، و كان الّذي قتله الأمير آقوش الشمسى (رحمه اللَّه).
الشيخ محمد الفقيه اليونينى
الحنبلي البعلبكي الحافظ، هو محمد بن أحمد بن عبد اللَّه بن عيسى بن أبى الرجال أحمد بن على ابن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصادق، كذا نقل هذه النسبة الشيخ قطب الدين اليونينى من خط أخيه الأكبر أبى الحسين على و أخبره أن والده قال له نحن من سلالة