البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧١ - وقعة البلستين و فتح قيسارية
ثم دخلت سنة خمس و سبعين و ستمائة
في ثالث عشر المحرم منها دخل السلطان إلى دمشق و سبق العساكر إلى بلاد حلب، فلما توافت إليه أرسل بين يديه الأمير بدر الدين الاتابكى بألف فارس إلى البلستين، فصادف بها جماعة من عسكر الروم فركبوا إليه و حملوا إليه الاقامات، و طلب جماعة منهم أن يدخلوا بلاد الإسلام فأذن لهم، فدخل طائفة منهم بيجار و ابن الخطير، فرسم لهم أن يدخلوا القاهرة فتلقاهم الملك السعيد، ثم عاد السلطان من حلب إلى القاهرة فدخلها في ثانى عشر ربيع الآخر.
و في خامس جمادى الأولى عمل السلطان عرس ولده الملك السعيد على بنت قلاوون، و احتفل السلطان به احتفالا عظيما، و ركب الجيش في الميدان خمسة أيام يلعبون و يتطاردون، و يحمل بعضهم على بعض، ثم خلع على الأمراء و أرباب المناصب، و كان مبلغ ما خلع ألف و ثلاثمائة خلعة بمصر، و جاءت مراسيمه إلى الشام بالخلع على أهلها، و مد السلطان سماطا عظيما حضره الخاص و العام، و الشارد و الوارد، و حبس فيه رسل التتار و رسل الفرنج و عليهم كلهم الخلع الهائلة، و كان وقتا مشهودا، و حمل صاحب حماه هدايا عظيمة و ركب إلى مصر للتهنئة. و في حادي عشر شوال طيف بالمحمل و بكسوة الكعبة المشرفة بالقاهرة، و كان يوما مشهودا.
وقعة البلستين و فتح قيسارية
ركب السلطان من مصر في العساكر فدخل دمشق في سابع عشر شوال، فأقام بها ثلاثة أيام، ثم سار حتى دخل حلب في مستهل ذي القعدة، فأقام بها يوما و رسم لنائب حلب أن يقيم بعسكر حلب على الفرات لحفظ المنائر، و سار السلطان فقطع الدربند في نصف يوم، و وقع سنقر الأشقر في أثناء الطريق بثلاثة آلاف من المغول فهزمهم يوم الخميس تاسع ذي القعدة و صعد العسكر على الجبال فأشرفوا على وطأة البلستين فرأوا التتار قد رتبوا عسكرهم و كانوا أحد عشر ألف مقاتل، و عزلوا عنهم عسكر الروم خوفا من مخامرتهم، فلما تراءى الجمعان حملت ميسرة التتار فصدمت سناجق السلطان، و دخلت طائفة منهم بينهم فشقوها، و ساقت إلى الميمنة، فلما رأى السلطان ذلك أردف المسلمين بنفسه و من معه، ثم لاحت منه التفاتة فرأى الميسرة قد كادت أن تتحطم فأمر جماعة من الأمراء باردافها، ثم حمل العسكر جميعه حملة واحدة على التتار فترجلوا إلى الأرض عن آخرهم، و قاتلوا المسلمين قتالا شديدا، و صبر المسلمون صبرا عظيما، فأنزل اللَّه نصره على المسلمين، فأحاطت بالتتار العساكر من كل جانب، و قتلوا منهم خلقا كثيرا، و قتل من المسلمين أيضا جماعة، و كان في جملة من قتل من سادات المسلمين الأمير الكبير ضياء الدين ابن الخطير، و سيف الدين قيماز، و سيف الدين بنجو الجاشنكير، و عز الدين أيبك الثقفي، و أسر جماعة من أمراء المغول، و من أمراء